Our Space

جنسيتي حق لأبنائي: حين تُقاس المواطنة بجنس صاحبها لا بدمه

في الوقت الذي تتسابق فيه الدولة لتسهيل منح الجنسية للأجنبي والمستثمر مقابل المال، تبقى الأم الأردنية تعامل كمواطنة من درجة ثانية، محرومة من حق أبسط وأعظم وهو منح جنسيتها لأطفالها الذين يتربون على ثقافتها، ويتحدثون بلهجتها، وينبتون في حضنها ويحملون جيناتها ودمها. جواز سفر يُمنح خلال أسابيع لمن يملك رأس مال، بينما يُحرم منه من نبت في تراب هذا الوطن، ورضع من ثدي أردنية، وترعرع تحت سقف بيت أردني، لمجرد أن الأب لم يكن يحمل الرقم الوطني ذاته. أي منطق هذا الذي يرى في المال جواز عبور للهوية، ولا يرى في الأمومة والانتماء والوجدان ما يستحق الاعتراف؟

مواطنة بشرط: انتماء كامل، وحقوق منقوصة

يُطلب من المرأة الأردنية أن تكون مواطنة بكل معنى الكلمة: أن تدين بالولاء لوطنها، أن تدافع عنه، أن تُربّي أبناءها على حبه، أن تدفع الضرائب، أن تشارك في الانتخابات، أن تخدمه بعلمها وعملها وصوتها. لكن حين يأتي السؤال عن الحقوق، تتحول فجأة إلى “نصف مواطنة”، يُعامَل انتماؤها كأنه عاطفة لا قيمة قانونية لها. الرجل الأردني يُعامَل كمواطن كامل الأهلية: انتماؤه يُترجم فورًا إلى حق، بينما انتماء المرأة يبقى معلّقًا، مشروطًا، منقوصًا. هذه ليست مساواة في الواجبات مقابل تمييز في الحقوق فحسب، بل هي رسالة ضمنية للمرأة الأردنية بأن وطنها لا يثق بها بقدر ما يثق بالرجل، وأن جسدها وأمومتها وقرارها في الزواج يمكن أن يُصادَر أثره القانوني بجرة قلم.

الأم لا الأب: من يصنع الهوية فعليًا؟

يتحجج البعض بأن النسب في مجتمعاتنا يُنسب للأب، وأن الطفل “يعود” لأبيه لا لأمه، وكأن هذا يبرر حرمانه من جنسية أمه. لكن هذه الحجة تسقط أمام أبسط ملاحظة اجتماعية: في غالبية الحالات التي تتزوج فيها الأردنية من غير أردني وتستقر في الأردن، فإن الأم هي من تتولى تنشئة الأبناء يوميًا؛ هي من تتحدث معهم باللهجة الأردنية، وتطبخ لهم أكلها، وتأخذهم لبيت جدهم وجدتهم، وتزرع فيهم عادات مجتمعها وقيمه وذاكرته الجمعية. الطفل يكبر أردنيًا في كل شيء إلا في الورق الرسمي. فأي معنى للجنسية إن لم تكن انعكاسًا لهذا الانتماء الثقافي والوجداني الفعلي؟ التأثير التربوي للأم غالبًا أعمق وأكثر التصاقًا بيوميات الطفل من تأثير الأب، خصوصًا حين يكون الأب مقيمًا خارج البلاد أو منفصلاً عن الأسرة، وهو ما توثقه تقارير حقوقية بينت أن أبناء الأردنيات يعيشون فعليًا كأردنيين في كل تفاصيل حياتهم اليومية دون أن تعترف بهم الدولة قانونيًا.

الجنسية ليست نسبًا: حين يمنح الرجل ولا تمنح المرأة

هنا يكمن جوهر التمييز الذي لا يمكن تبريره بمنطق “النسب للأب”: فالمسألة أصلاً ليست مسألة نسب عائلي، بل مسألة جنسية دولة. والدليل الأوضح على ذلك هو أن الزوج الأردني يمنح زوجته الأجنبية – أيًا كانت جنسيتها أو أصولها، ولو لم تكن من أصل عربي أو إسلامي – مسارًا لاكتساب الجنسية الأردنية بمجرد الزواج والإقامة، بينما الزوجة الأردنية لا تستطيع أن تمنح زوجها غير الأردني الجنسية مهما طال زواجهما، ومهما أنجبا من أبناء، ومهما عاش هذا الزوج في الأردن. لو كانت المسألة فعلاً متعلقة بـ”استمرار النسب” أو “الهوية الأبوية”، لما كان هناك أي داعٍ لمنح الزوجة الأجنبية الجنسية أصلاً، لأن أبناءها سيحملون جنسية زوجها الأردني بحكم “النسب للأب”. لكن الدولة تمنحها الجنسية رغم ذلك، وهو ما يكشف أن الجنسية هنا ليست امتدادًا للنسب، بل امتياز يُمنح للرجل بصفته رجلاً، ويُسحب من المرأة بصفتها امرأة. المعيار إذن ليس النسب، بل جنس صاحب الحق.

أرقام وتقارير: مأساة يومية لا رأي نظري

هذه ليست قضية نظرية أو جدلاً حقوقيًا مجردًا، بل واقع معاش يوميًا لعشرات الآلاف من الأسر. تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش وثّقت كيف يُحرم أبناء الأردنيات غير الحاصلين على الجنسية من العمل الرسمي، والتملك، وحرية السفر من الأردن وإليه، والالتحاق بالجامعات ضمن مقاعد المواطنين، والاستفادة من الخدمات الصحية الحكومية، معتبرة أن هذا الوضع يشكل تمييزًا ضد النساء يخالف القانون الدولي، إذ يسمح القانون الأردني للآباء وحدهم بتمرير الجنسية لأبنائهم كما بيّنت أن أبناء الأردنيات لا يحصلون حتى على إقامة دائمة تلقائية، بل تبقى أوضاعهم القانونية هشة ومعلقة على قرارات إدارية قابلة للتغيير في أي وقت. اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة نفسها دعت، إلى جانب منظمات حقوقية، لتعديل قانون الجنسية بما يمكّن المرأة الأردنية من منح جنسيتها لأولادها، على أساس أن حرمانها من هذا الحق يخالف مبدأ المساواة الذي يكفله الدستور الأردني نفسه.

ومن قصص هذه المعاناة ما رواه صحفيون أردنيون وعرب: نساء يُحرمن أبناءهن من الإرث لأنهم لا يحملون الجنسية، فتُسجَّل البيوت والمحال باسم الأم وحدها، ثم تؤول عند وفاتها إلى إخوتها الأردنيين لا إلى أبنائها. حتى في أبسط تفاصيل الحياة، كنقل الدم بين الأم وابنها، تتدخل بيروقراطية الجنسية لتُذكّر هذه العائلات بأنها غير مكتملة الحقوق في نظر القانون. وقد أشارت تغطيات صحفية دولية إلى أن الأردن، رغم تقدمه في ملفات أخرى تتعلق بحقوق المرأة، لا يزال متخلفًا عن عدد من الدول العربية التي منحت الأم حق تمرير جنسيتها ، في حين عدّلت دول مثل تونس والجزائر والمغرب ومصر واليمن قوانينها منذ عام 2004 لمساواة المرأة بالرجل في هذا الحق.

حين يتحول الوطن إلى سلعة تُمنح بالمال لا بالانتماء

المفارقة الأكثر إيلامًا هي أن الدولة التي تتمسك بحرمان أبناء الأردنيات من الجنسية بحجة “الحساسية الديموغرافية” أو “الخصوصية السياسية”، هي ذاتها التي فتحت أبواب الجنسية للمستثمر الأجنبي الذي لا صلة له بهذا الوطن سوى شيك بنكي. فإذا كانت الجنسية بهذه الخطورة والحساسية، فكيف تُمنح لمن لا رابط له بالأرض ولا بالتاريخ ولا بالذاكرة، وتُمنع عمّن نبت في هذا الوطن وترعرع فيه وأحبه بلا مقابل؟ هذا التناقض وحده يكفي لإسقاط كل الذرائع التي تُساق لتبرير حرمان المرأة من حقها، لأنه يكشف أن المسألة ليست مسألة أمن وطني أو ثوابت سياسية بقدر ما هي مسألة سلطة ذكورية تختار متى تتشدد ومتى تتساهل، وفق من يقف خلف الطلب لا وفق مبدأ ثابت.

خاتمة: المساواة ليست منّة

مطالبة الأردنية بحقها في منح جنسيتها لأبنائها ليست خروجًا عن العادات ولا تهديدًا للهوية الوطنية، بل استعادة لحق طبيعي كفله الدستور الأردني نفسه حين نصّ على المساواة بين المواطنين، وكفلته الاتفاقيات الدولية التي وقّع عليها الأردن. الأم التي تحمل وطنها في قلبها كما يحمله أي رجل، لا يجوز أن تُطالَب بإثبات ولائها مرارًا وتكرارًا بينما يُمنح الرجل امتيازًا تلقائيًا لمجرد أنه رجل. الجدل حول هذا الملف لن يُحسم بحجة “الخصوصية الأردنية” أو “الحساسية السياسية”، فهذه ذرائع تتكرر كلما أريد تأجيل استحقاق حقوقي لا يريد أحد مواجهته بصراحة. الوقت الذي تُمنح فيه الجنسية للمستثمر خلال أسابيع، هو أفضل شاهد على أن المشكلة ليست في القانون بقدر ما هي في الإرادة السياسية لإنصاف نصف المجتمع.

نور المصري

يمثل هذا المقال آراء الكاتبة ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا

Related Articles

en_USEnglish