Our Space

مدن لا تحب المشاة: هل يكره الإسفلت أحذيتنا؟

في عمّان، أو في كل العواصم العربية، المشي ليس رياضة فقط. هو اختبار علاقات عامة بينك وبين المدينة. تبدأ بخطوة متحمّسة، ثم تجد الرصيف مقطوعًا فجأة كأنه قال لك: “شكراً… كفاية لحد هون.” بعدها تقف أمام حفرة بحجم قرار بلديّة، أو أمام سيارة متوقفة على الرصيف بوقار شديد، كأنها تقول: “المساحة العامة؟ أنا.”
هكذا تتحول أبسط حركة بشرية—المشي—إلى مفاوضات. تفاوض مع الحفر، مع الأرصفة غير المستوية، مع الإضاءة الناقصة، ومع فكرة ضمنية تقول: المدينة صُممت للسيارات، وأنت مجرد “تسرب” بشري في هامش الإسفلت.
على الرصيف هناك الكثير الكثير من القضايا المعلقة في الوعي البشري وفي الثقافة العربية، فأخذ مساحة من الرصيف للمقهى أو للدكان ليس عيبا! لا بل قد تصبح من المثاليين المنظرين ومن يستحقون الشفقة عندما تنتقد أصحاب المحال التجارية أو البلديات لاستغلالهم مساحات الأرصصفة بطريقة سيئة تضر المشاة وتزعج المارة.
ليلى مواطنة أسبانية من أصل عربي عاشت معظم وقتها منذ نشأتها في برشلونا المدينة الأيقونية في التصاميم المريحة للحياة المدنية الحضرية الهانئة، عندما وصلت ليلى إلى عمّان قررت قرارا جريئا جدا من وجهة نظري! قررت ليلى ألّا تستخدم التكاسي وسيارات الأجرة خلال تواجدها في المدينة للاتصال بالمجتمع المحلي في المواصلات وللاستمتاع بالمشي في شوارع عمّان المليئة بالسياح المنبهرين.
عمّان ليست مثالية لسياحة المشي مثلها مثل العواصم العربية قاطبة، ليست صديقة لأبنائها وسكانها، بل مصدر تعبهم ومعاناتهم اليومية.

الأولوية للمشاة صارت موضة قديمة!
القصة ليست رومانسية. هي سياسية. عندما نُهمِل المشاة، نحن لا نُهمِل أحذية الناس فقط، بل نُعيد تشكيل الصحة العامة والاقتصاد والحياة الاجتماعية. هناك دراسات متزايدة تربط قابلية المشي في الأحياء (walkability) بنتائج صحية أفضل، وحتى بانخفاض مخاطر الوفاة. بعض الأبحاث تشير إلى أن الأحياء الأكثر قابلية للمشي ترتبط بانخفاض مخاطر أمراض القلب وعوامل الخطر مثل ضغط الدم والسكري، وأن وجود “أماكن ثالثة” (حدائق، مقاهٍ، ساحات عامة) يدعم الحركة والاتصال الاجتماعي معًا.

يعني باختصار: الرصيف ليس ديكورًا. الرصيف سياسة صحية. وعندما يكون الرصيف معطوبًا أو محتلًا، يصبح القرار الصحي شبه مستحيل. أنت تريد تمشي عشر دقائق؟ المدينة ترد: “ليش؟ خليك بالبيت… أو اشتري سيارة.” وهنا تتحول المشكلة إلى حلقة مفرغة: المزيد من السيارات يعني المزيد من الازدحام والتلوث، وهذا يعني أقل رغبة بالمشي، وهذا يعني مزيدًا من الأمراض المزمنة. كأن المدينة تربي مشاكلها ثم تشتكي منها.

لكن لنكن صريحين: المدن لا تكره المشاة لأن لديها مشاعر. المدن “تكره” المشاة لأن الأولويات في التخطيط غالبًا تُبنى حول المال والسرعة والرمزية. السيارة تمنحك إحساسًا بالهيبة، والمشي يُذكّر الناس بأنهم متساوون على الرصيف. الرصيف مساحة ديمقراطية جدًا… وربما هذا سبب كافٍ لتركه يتشقق.

هناك أيضًا بُعد عدالة اجتماعية واضح: من لا يملك سيارة يدفع الثمن مرتين. مرة لأنه يمشي قسرًا، ومرة لأنه يمشي في بيئة غير آمنة. الفئات الأضعف—كبار السن، الأطفال، وذوو الإعاقة—هم أول من يتضرر. وعندما يكون الوصول إلى الخدمات (مدرسة، عيادة، دائرة حكومية) مرتبطًا بالسيارة، تصبح المدينة تصفية حسابات مع من لا يملك ثمن الوقود.

لست ضد السيارات. أنا ضد فكرة أن المدينة لا تتسع لخطوة إنسان. ضد فكرة أن “السرعة” أهم من السلامة، وأن الرصيف ترف يمكن الاستغناء عنه، أو يمكن تحويله إلى موقف مجاني. هذا ليس تخطيطًا حضريًا، هذا “تعويم” للمشكلة.

الحل ليس حلمًا طوباويًا. هو إجراءات واضحة: أرصفة متصلة وليست كمقاطع الفيديو القصيرة، عبّارات مشاة محترمة، تهدئة سرعات في الأحياء، إضاءة ومقاعد وظلال، وإعادة توزيع المساحة العامة بحيث لا تكون السيارة هي المواطن الوحيد الذي يُخاطَب بلغة التخطيط. وحتى من منظور اقتصادي بحت، مدينة تمشي تعني حركة بشرية في الشارع: تجارة محلية، تفاعل، وأمان اجتماعي أعلى. السيارة تستهلك المكان، بينما المشي يصنع المكان.

في النهاية، السؤال ليس: هل يكره الإسفلت أحذيتنا؟ بل: لماذا نعامل المشي كفعل “ثانوي” بينما هو أصل المدينة ومعناها؟ المدينة التي لا تُحتمل سيرًا على الأقدام… غالبًا لا تُحتمل في الروح أيضًا.

يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا

Related Articles

en_USEnglish