“فضيحة الدحيح” أم تضليل إعلامي؟ كيف تُصنع الاتهامات من مقطع مجتزأ

في الآونة الأخيرة، انتشر مقطع مصوّر يدّعي أنه “فضيحة” لصانع المحتوى أحمد الغندور (الدحيح)، مرفقًا بسيل من الاتهامات:
الترويج للإلحاد، ادعاء العلم، وصناعة “مثقف مزيف” ضمن مؤامرة أوسع.
لكن هل نحن فعلًا أمام فضيحة؟
أم أمام نموذج متكرر من التضليل الإعلامي القائم على الاجتزاء والتشويه؟
من مقطع قصير إلى “كارثة”
الفيديو المتداول يعرض لقطات للدحيح أثناء التصوير، مع عبارات مكتوبة توحي بوجود “كوارث” في أدائه.
تم تقديم المشهد على أنه دليل على خلل أو تزييف، بل وجرى تضخيمه ليُقدَّم كفضيحة مكتملة الأركان.
لكن عند التوقف قليلًا، يظهر أن الاتهامات لا تقف عند النقد، بل تتوسع لتشمل:
- اتهامه بالترويج لأفكار إلحادية
- التشكيك في علمه ومصداقيته
- تصويره كجزء من “مؤامرة لصناعة المثقف العربي”
هذا التصعيد في الخطاب يطرح سؤالًا مهمًا:
هل الهدف تحليل المحتوى… أم صناعة عدو؟
استراتيجية مألوفة: التشويه عبر الاستهداف
اللافت أن الفيديو صُنِع من قبل شخص يُعرّف نفسه كمتخصص في الإعلام السياسي.
لكن بدل تقديم تحليل مهني، تم استخدام أسلوب يقوم على:
- اختيار شخصية معروفة (الدحيح)
- اجتزاء مقطع قصير من سياقه
- تحميله دلالات مبالغ فيها
- إرفاقه باتهامات كبيرة ومثيرة
هذه ليست قراءة إعلامية، بل استراتيجية تضليل تقوم على التشويه والتشويش، وخلق انطباع بأن الشخصية المستهدفة تمثل خطرًا أو تهديدًا.
وهو نمط قريب من الخطاب الشعبوي، الذي يعتمد على إثارة المشاعر بدل تقديم الأدلة.
هل ما رأيناه “فضيحة” فعلًا؟
لفهم المشهد، من المهم معرفة كيف يُنتج المحتوى المصوّر.
في صناعة الفيديو، هناك طريقتان أساسيتان لتقديم النصوص:
- استخدام جهاز تلقين (Teleprompter)، يقرأ منه المتحدث مباشرة أمام الكاميرا
- التلقين أو إعادة الجمل أثناء التصوير، خاصة في المقاطع الطويلة
هذا أمر طبيعي تمامًا، وليس دليلًا على ضعف أو خداع.
بل هو جزء أساسي من العمل الإعلامي، خاصة عندما تكون الحلقات طويلة — كما هو الحال في محتوى الدحيح الذي قد يمتد إلى 30 أو 40 دقيقة، وأحيانًا أكثر.
توقع حفظ هذا الكم من المعلومات عن ظهر قلب دون أدوات مساعدة، أمر غير واقعي حتى للمحترفين.
من النقد إلى التضليل
النقد مشروع، بل ضروري لأي محتوى إعلامي.
لكن الفرق كبير بين نقد يستند إلى تحليل، وبين اتهام مبني على اجتزاء.
حين يتحول مقطع تقني عادي إلى “فضيحة”، وتُبنى عليه سرديات كبرى، فنحن لا نتعامل مع نقد، بل مع محاولة لتوجيه الرأي العام عبر معلومات ناقصة أو مضللة.
لماذا تنتشر هذه المقاطع؟
هذا النوع من المحتوى يمتلك قابلية عالية للانتشار لأنه:
- يعتمد على الإثارة
- يقدّم “كشفًا صادمًا”
- يثير الجدل
- ويخاطب مشاعر الشك والريبة
لكن الانتشار لا يعني الدقة، ولا يحوّل الادعاء إلى حقيقة.
قبل أن نصدق… لنسأل
قصة “فضيحة الدحيح” ليست عن الدحيح بقدر ما هي عن طريقة استهلاكنا للمحتوى.
هل نكتفي بمقطع قصير وعنوان مثير؟
أم نحاول فهم السياق الكامل؟
في زمن تتكاثر فيه الفيديوهات المجتزأة والاتهامات السريعة، يصبح التحقق مسؤولية فردية.
السؤال الأهم ليس:
هل أخطأ الدحيح؟
بل:
هل ما شاهدناه دليل… أم مجرد قصة صيغت لتبدو كذلك؟



