Our Space

ھل اﻧﺗﮭﻰ ﻣﺑدأ ﻋدم اﻟﺗدﺧّل؟ ﻗراءة ﻓﻲ ﺗﺂﻛل اﻟﻘﺎﻧون اﻟدوﻟﻲ ﻓﻲ ظل اﻟﺗدﺧﻼت أﺣﺎدﯾﺔ اﻟﺟﺎﻧب

إﻧﻧﺎ ﻧﻌﯾش اﻟﯾوم ﻋﺻر "ﺗﺳﻠﯾﺢ اﻟﻘﺎﻧون اﻟدوﻟﻲ"، ﺣﯾث ﺗُﺳﺗﺧدم ﻣﻔﺎھﯾم ﻣﺛل ﺣق اﻟﺣﻣﺎﯾﺔ (R2P) أو ﻣﻛﺎﻓﺣﺔ اﻹرھﺎب ﻛﺄدوات ﻟﺗﺑرﯾر اﻟﺗوﺳﻊ اﻟﺟﯾوﺳﯾﺎﺳﻲ.

بعد الفشل النظامي لعصبة الأمم والدمار الناجم عن الحرب العالمية الثانية، اجتمع المفوضون في مدينة سان فرانسيسكو بهدف “إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب”. وكانت الآلية الأساسية لتحقيق هذا الهدف هي تجريم استخدام القوة، وهو مفهوم كان يُنظر إليه سابقاً كحق سيادي للدول (Compétence de guerre). فقبل عام 1928، وربما حتى عام 1945، كان القانون الدولي يعمل في إطار “حق اللجوء إلى الحرب” (Jus ad bellum)، حيث كانت الدول تمتلك السلطة السيادية للجوء إلى السلاح لتسوية النزاعات أو تحصيل الديون. وقد عكس ميثاق الأمم المتحدة هذا الافتراض بشكل جذري، مؤسساً لإطار قانوني ضد الحرب (Jus contra bellum). وكان محور هذا النظام الجديد هو المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة:

“يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة”.

كان القصد من هذا الحظر أن يكون شاملاً. وعلى عكس 

عهد عصبة الأمم، استخدم الميثاق مصطلح “القوة” الواسع بدل “الحرب”، حيث ينطبق الحظر على القوة الموجهة ضد السلامة الإقليمية (الحرمة المادية لحدود الدولة)، والاستقلال السياسي (حق الدولة في تحديد نظام حكمها وسياساتها دون إكراه خارجي). وبموجب الميثاق، نُقل احتكار الاستخدام المشروع للقوة من الدول المنفردة إلى مجلس الأمن. وكان الاستثناء الوحيد للعمل الفردي للدولة هو “الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس” بموجب المادة 51:

“ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء “الأمم المتحدة” وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي…”

ويعدّ توسيع مبررات الدفاع عن النفس السبب الأكثر أهمية للتآكل القانوني للمادة 2(4). فبينا تشترط المادة 51 وجود هجوم مسلح، دفعت ممارسات الدول الحدود لتشمل الهجمات الوشيكة أو حتى المحتملة مستقبلاً، وبررت بعض الممارسات التدخل العسكري المحدود بدون إذن داخل أراضي الدول في حال وجود مصدر 

خطر فيها (كالجماعات المسلحة) في حال كانت الدولة “غير قادرة أو غير راغبة” في إيقاف الخطر. وقد استُخدمت تبريرات مشابهة في نزاعات معاصرة وحديثة لتمرير تدخلات أحادية الجانب، مما أثار جدلاً واسعاً حول شرعيتها.

برز تيارٌ آخر ينادي بالتدخل للضرورة الأخلاقية (حماية المدنيين من حكوماتهم)، وهو ما تجلى في تدخل الناتو في كوسوفو عام 1999. حينها، خلصت اللجنة الدولية المستقلة إلى وصف شهير: التدخل كان “غير قانوني ولكنه شرعي”، بمعنى أن التدخل كان غير قانوني لمخالفة المادة 2(4) ولكن شرعي لأسباب إنسانية. وقد فتحت هذه الصيغة الباب لسابقة خطيرة، حيث استخدمت دول أخرى لاحقاً لغة إنسانية مماثلة لتبرير تدخلات عسكرية أحادية الجانب، مما أدى إلى طمس الخط الفاصل بين القانون والسياسة.

تُوّج هذا التآكل للمادة 2(4) بتطبيع “المنطقة الرمادية”؛ وهي الصراعات التي تحدث دون عتبة الحرب ولكن فوق عتبة المنافسة السلمية. فبينا تحظر المادة 2(4) التهديد بالقوة، يتميز العقد الحالي بالإشارات العسكرية غير المباشرة (مثل المناورات على الحدود) لانتزاع تنازلات سياسية. ونظراً للغموض القانوني حول ما 

يشكل تهديداً محظوراً، تستغل الدول هذه الثغرة لممارسة الإكراه السياسي دون توجيه تهديد صريح أو استخدام السلاح.

إننا نعيش اليوم عصر “تسليح القانون الدولي”، حيث تُستخدم مفاهيم مثل حق الحماية (R2P) أو مكافحة الإرهاب كأدوات لتبرير التوسع الجيوسياسي. هذا التوظيف يخلق حالة من “اللدونة التفسيرية” التي تذيب القوة المعيارية للنظام الدولي التي كانت سبباً في السلام والأمان النسبي في القرن الواحد والعشرين.

إن الحفاظ على السلم العالمي يتطلب الاعتراف بأن الاستثناءات باتت تهدد بابتلاع القاعدة. التحدي أمام الجيل القادم من الدبلوماسيين والقانونيين هو استعادة العتبة العالية للدفاع عن النفس، وفصل العمل الإنساني النبيل عن الأجندات الجيوسياسية. فقط من خلال العودة لقراءة أكثر صرامة للميثاق يمكن إبقاء ويلات الحرب بعيدة.

ﺣﻤﺰه ﻣﺤﻤﺪ ﺳﻼمه (باحث مستقل)

يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا

Related Articles

en_USEnglish