Our Space

مدونة اللباس النيابية: حين تصبح الوصاية بديلاً عن معالجة الأزمات

وقّع عدد من النواب مذكرة رسمية مرفوعة إلى دولة رئيس الوزراء، يطالبون فيها الحكومة بدراسة إمكانية إعداد “مدونة إرشادية للذوق العام والسلوك واللباس اللائق في الأماكن العامة والمجمعات التجارية”. وتؤكد المذكرة أن هدفها “ليس تقييد الحريات، وإنما تعزيز ثقافة الاحترام المتبادل، والمحافظة على الطابع الأسري للأماكن العامة، وترسيخ الصورة الحضارية للمجتمع الأردني”. عبارات ناعمة الصياغة، لكنها حين تُقرأ بعين حقوقية تكشف عن إشكالية أعمق من مسألة قماش أو مقاس: فالمسألة، في جوهرها، ليست عن نوع اللباس بعينه، بل عن مبدأ يُراد ترسيخه، وهو أن جهة تشريعية تملك حق تحديد ما يجوز للمواطن أن يرتديه في الفضاء العام وما لا يجوز. وسواء تعلّق الأمر بفستان أو شورت أو أي زي آخر، فإن الحرية الشخصية التي يكفلها الدستور لا تُجزَّأ بحسب نوع اللباس أو صاحبه، وأي تدخل تشريعي في خيارات الأفراد الشخصية، طالما لم تمسّ حقوق الآخرين أو النظام العام بمعناه القانوني الدقيق، يبقى تدخلًا في الحرية بحد ذاتها.


من يكتب مدونة الذوق؟ ومن يُسائل الكاتب؟
من يُعِدّ مدونة ذوق لغيره، يُفترض أن يكون هو نفسه قدوة في الذوق العام أولًا. فأين مدونة النواب الخاصة بذوق التعامل مع المال العام؟ وأين مدونتهم لذوق الوفاء بالوعود الانتخابية التي تتبخر فور ضمان المقعد؟ وأين مدونتهم لذوق مواجهة الشوارع المتهالكة والخدمات الغائبة التي يصطدم بها المواطن كل يوم؟ يبدو أن مفهوم الذوق العام، في هذا السياق، مطاط بما يكفي ليتسع لكل شيء إلا لمساءلة الذات، وهذا بالضبط ما يجعل النقاش حول اللباس نقاشًا عن السلطة قبل أن يكون نقاشًا عن الأخلاق: من يملك حق المراقبة، ومن يُراقَب، ومن يُعفى من المساءلة أصلًا.
الهوية الوطنية… وحدود التشريع على الخصوصية الفردية
تنطلق المذكرة، بحسب نصها، من “الحرص على المحافظة على الهوية الوطنية وقيم المجتمع الأردني”. وهنا يحق لنا أن نسأل: ما علاقة الهوية الوطنية بطول فستان أو مقاس شورت؟ فالهوية الوطنية، كما يعرّفها العالم أجمع، هي شعور الانتماء والولاء للوطن وبيئته، وارتباط الفرد بنظام الدولة ورموزها وتاريخها ولغتها وإرثها، لا بطريقة ارتدائه لقطعة قماش. أما اللباس فأسلوبه يتفاوت من عائلة إلى أخرى، ومن محافظة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل، فكيف يُراد له أن يكون مقياسًا موحدًا للهوية في بلد يتعايش فيه المواطنون مع وافدين وسياح ومستثمرين من ثقافات وديانات متعددة؟ وحين تتحدث المذكرة أيضًا عن “المحافظة على الطابع الأسري للأماكن العامة”، فإن السؤال الحقوقي المشروع هو: من يحدد تعريف هذا “الطابع”، وبأي معيار قانوني واضح وغير قابل للتأويل الفضفاض، بحيث لا يتحول إلى باب مفتوح لتقدير شخصي أو مزاجي يختلف من موظف إلى آخر، ومن مكان إلى آخر؟
احترام متبادل… أم بروتوكول من طرف واحد؟
تذكر المذكرة أن هدفها تعزيز “ثقافة الاحترام المتبادل”، ونحن بحاجة إلى أن يخرج علينا أحد النواب الموقّعين ليشرح كيف يتحول الإلزام والتقييد إلى احترام متبادل. فالاحترام المتبادل، بحكم تعريفه الحقوقي البسيط، يقوم على أن يعترف كل طرف بحق الطرف الآخر في تقرير خياراته الشخصية، لا أن تُصدر جهة تشريعية “إرشادات” تُملى على المواطنين دون نقاش مجتمعي حقيقي أو مشاركة شعبية في صياغتها. فحين يُطرح “احترام متبادل” أحادي الاتجاه، تُملي فيه جهة وتُطاع الأخرى، يصبح المصطلح غطاءً لغويًا لتقييد حرية شخصية يكفلها الدستور الأردني نفسه في مادته المتعلقة بالحرية الشخصية وحرمة الحياة الخاصة. ولماذا لا تُحترم إرادة الفرد في اختيار ما يغطي به جسده، ولا تُصان كرامته بأجر لائق، ولا حقه في خدمات تليق بما يدفعه من ضرائب؟ عندها يصبح الحديث عن “الاحترام المتبادل” مجرد شعار، تُمارسه سلطة واحدة تجاه طرف واحد، بينما يبقى الطرف الآخر مطالَبًا وحده بالالتزام.
أولويات معكوسة
بينما يغرق الأردن في أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، وعجز في الموازنة، وملفات محسوبية مزمنة، يبدو أن الشغل الشاغل لبعض النواب أصبح كيفية التحكم بالقرارات الشخصية للأفراد، بدءًا من اختيار ملابسهم. فوفق أحدث بيانات دائرة الإحصاءات العامة، بلغ معدل البطالة الإجمالي في الأردن 16.1% خلال الربع الأول من عام 2026، ليرتفع بين الأردنيين وحدهم إلى 21.1%. أما الحد الأدنى للأجور، فلا يزال عند 290 دينارًا، وهو رقم لا يكفي عمليًا لتغطية إيجار مسكن واحد في ظل غلاء المعيشة، فكيف يكون كافيًا لحياة كريمة؟ ومع ذلك، لا تبدو معالجة هذه الأرقام من أولويات المجلس، ولا مكافحة الفساد والترهل الإداري اللذين يضعان الأردن في مراتب متأخرة على مؤشرات النزاهة العالمية، بينما تواصل الضرائب المرتفعة استنزاف جيوب المواطنين دون أن يقابلها تحسّن حقيقي في الخدمات أو البنية التحتية.
أطراف منسية
لا الجنوب الأردني ولا القرى الشمالية تحظى بما تستحقه من اهتمام نيابي أو حكومي؛ محافظات بأكملها تعيش التهميش، حيث تغيب المياه النظيفة المنتظمة، وتتدهور الطرق، وتندر وسائل النقل، وتفتقر المستشفيات والمراكز الصحية إلى التجهيزات الأساسية، في غياب شبه تام لأي عدالة تنموية. وهذا التهميش الجغرافي هو أيضًا قضية حقوقية بامتياز، إذ إن الحق في المياه والصحة والتنقل الآمن حقوق أساسية لا تقل أهمية عن الحق في حرية اللباس، بل تسبقه في سلّم الأولويات الإنسانية.
ولا يمكن إغفال تراجع مستوى التعليم، وتغلغل الواسطة والمحسوبية في مفاصل الدولة، بينما تتصاعد على الصعيد الاجتماعي جرائم العنف الأسري وقتل النساء بوتيرة مقلقة، إلى جانب ارتفاع مستمر في قضايا التحرش والاعتداء الجنسي، وهي قضايا تمسّ الأمن الشخصي والكرامة الإنسانية لكل مواطن ومواطنة، وتستحق من التشريع جدية وسرعة لا تقلان عن الحماسة التي قوبلت بها مذكرة اللباس. وفوق هذا كله، تتواصل هجرة الكفاءات الشابة بحثًا عن مستقبل لم تجده في وطنها، في مؤشر إضافي على اتساع الفجوة بين أولويات صنّاع القرار وهموم الناس الفعلية.
هذه هي القضايا التي يجب أن تتصدر طاولة النقاش النيابي، لا اللباس والمظاهر الخارجية.
قضية سهلة أخيرًا
يبدو أن مجلس النواب وجد أخيرًا قضية يستطيع حسمها بسرعة وحزم: اختيار ملابس المواطنين. أما البطالة والفساد وشح المياه وجرائم القتل، وحضانة الأطفال المسلوبة من أمهات اخترن الزواج مجددًا، والأجور التي لا تكفي لإيجار منزل، وسواها من الملفات الشائكة، فتبقى – على ما يبدو – قضايا معقدة تحتاج مزيدًا من الدراسة لعقود مقبلة. وهذا التناقض بين سرعة الحسم في ملفات رمزية وبطء الحسم في ملفات جوهرية، هو بحد ذاته مؤشر على خلل في ترتيب الأولويات، وربما على رغبة في الظهور بمظهر الفاعلية دون تحمّل كلفة سياسية حقيقية تترتب على مواجهة ملفات الفساد والخدمات.
فليطمئن المواطن: جسده تحت الرقابة، وجيبه تحت الضريبة، ومستقبله على الرف. أما “الاحترام المتبادل” الذي تتحدث عنه المذكرة، فيبقى كما كان دائمًا: بروتوكولًا من طرف واحد؛ نحن نحترم قراراتكم، وأنتم تقرّرون عنّا حتى ما نرتديه.

نور المصري

يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا

Related Articles

en_USEnglish