Our Space

مجزرة الكنيسة – ٢٠٢٦/١٠/٢٣ ، الجمعة، حمود – الكرك

٢٠٢٦/١٠/٢٣ ، الجمعة، حمود – الكرك
مجزرة الكنيسة
بدأنا يومنا متجهين نحو قرية حمود في الكرك، لنؤدي واجب العزاء تجاه أحد أقربائنا، في طريقنا نحو الجنوب تغنينا بالكرك، كوننا كركيّ الأصل، وعلى لحن الكرك يا ديرتي، ازداد فينا حبنا لها وفخرنا بأننا من أبنائها.
كنا، في السيارة، أنا وأمي، وخالتي، وزوجة خالي وابنتها. والحمد لالله أن أبي، وزوج خالتي، وابن خالي لم ينضموا لنا، فعلى الأرجح ربما صارت أسماءهم في عناوين الأخبار.
في الثانية ظهراً وصلنا قرية الحمود، واتجهنا نحو كنيسة القديس جاورجيوس. رأينا أقرباءنا الأحباء مجتمعين في باحة الكنيسة وحضنّاهم وألقينا السلام. توجهنا إلى الداخل ووجدنا مقعدا يسعنا نحن الخمسة في الجهة اليمنى من الكنيسة قريباً من مدخلها الرئيسي، بعد دقائق قليلة احضروا التابوت ونهض الجميع احتراما، بدأ الكاهن بتلاوة الصلاة فجلسنا على المقاعد، فجأة سمع الجميع أصوات إطلاق عيارات نارية، كانت ثلاثة أو أربعة أصوات عيارات في البداية ثم حصل صمت لوهلة قليلة، اعتقدنا أن شخصا ما يحتفل بالخارج وأنه بعيدٌ عنا، حيث ما زالت عادة “الطخ” في الاحتفالات موجودة للأسف. لكن ما لبثت ان استمرت العيارات النارية بشكل سريع وكثيف، ورأيت عبر نوافذ الكنيسة المرتفعة إطار الباب الخشبي يتبعثر في الهواء، وهنا بدأ صراخ الجميع.
ردود فعل الإنسان في المواقف الصعبة أو الخطرة لا يمكن التنبؤ بها. هناك من صرخ وانهار بكاءً، هناك من حاول حماية الجميع، هناك من تجمّد جسده في مكانه غير قادر على استيعاب ما يحصل. خرجنا أنا وابنة خالي من حالة الصدمة واجبرنا أمهاتنا بالانبطاح على الأرض محتميات بالمقاعد، وما كنت أدري إن كانت فعلاً ستحمينا.
خمسة عشر دقيقة من حالة الذعر وغالبية الحضور مختبئين، أصوات الصراخ والعيارات وتبعثر الزجاج محيطة بنا وهدوء مخادع بين الحين والآخر، نشعر بمواد تسقط على ظهورنا ونحتمي ببعضنا البعض، لنرى أنها كانت فُتات من حائط الكنيسة. سرقت النظر إلى الأعلى لأرى بعض أقربائنا من الرجال يركضون في كل اتجاه، أحدهم ينزف من يده، وآخر في حالة ذعر. وهناك من يبحث عن فرد من عائلته، زوج عن زوجته، وزوجة عن زوجها.
ماذا حصل؟ من هؤلاء؟ هل انتهت الحالة؟ هل نحن بأمان؟ هل قلت لأبي وأختي أني أحبهما قبل أن نغادر بيتنا في عمان صباح اليوم؟ هل بلّغ أحدهم الأمن أم لا؟ أهذه نهايتنا؟ أسئلة معلقة في هواء يتشارك في تنفسه جميع الحاضرين.
بدأنا بالخروج من مخبئنا ببطء بعد مرور فترة جيدة على توقف أصوات الرشاشات. خائفين، مشوشين، أرجلنا تهتز. شعرت بأن بنطالي مبلل من الأسفل، فنظرت ورأيت نفسي أقف في منتصف الدماء وشظايا الزجاج.
لا يوجد وقت للتفكير… حاولنا أن نبقى سوية نحن الخمسة، لكن لم نستطع وتفرّق بعضنا عن الآخر، أمي ذهبت للبحث وللاطمئنان على أقربائنا، وخالتي وزوجة خالي خرجتا من باب الكنيسة ولم نعرف أين ذهبتا.
كنت أتتبع أمي بعيوني وهي تتفقد الناس داخل الكنيسة المحتمين خلف الهيكل وأحاول تهدئة ابنة خالي وطلبت منها أن تبقى في مكانها ثم لحقت بأمي… خرجنا من خلف الهيكل بعد الاطمئنان على أحبائنا، لأسمع صوت ابنة خالي تنادي علي دون أن أراها. فوجدتها قد اختبأت مجدداً بشكل ذكي تحت المقاعد حيث أنها سمعت شخصا يقول “رجعوا”. ثم انضمََّت لي ولأمي. ثم حاولْتُ الاتصال على هاتف خالتي لنعرف أين ذهبت، عدة مرات، دون جدوى.
سارعت أمي بالخروج من الكنيسة باحثة عنهما وأيضاً لترى إن كان بإمكانها تقديم المساعدة لأي كان. في الآن ذاته، نجحْتُ في التواصل مع خالتي لأكتشف أنها اتجهت نحو سيارتي برفقة زوجة خالي.
قفزتُ على مقعد واقتربْت من النافذة في أعلى حائط الكنيسة لأحاول أن أفتح لهما قفل السيارة من بعد لكي يختبئن بداخلها.
وأنا في الأعلى أنظر إلى الخارج وجدت أمي تركض عائدة في باحة الكنيسة، حولها جثث الشهداء ملقاة على الأرض محاطين بدمائهم، ورجال يفعلون المستطاع لحماية من تبقى، رحم الله المتوفين وشفى المصابين.
التقينا ثلاثتنا واتجهنا نحو السيارة ثم عدنا نحن الخمسة معاً.
وصلت سيارة الإسعاف والأمن. بعد خمس وأربعين دقيقة.
سمعت صراخ النساء احتجاجاً على تأخر وصول النجدة، وشاهدت اندفاع الرجال لحمل الضحايا ومساعدة المسعفين في نقلهم، وأصوات أشخاص بدو غير مدركين لإصابتهم الجسدية، يتحدثون مع رجال الأمن. تكاتف عظيم بين الجميع، ونحن داخل سيارتي مختبئات، كما غيرنا الكثير، ننتظر اللحظة المناسبة لمغادرة المكان.
اتجهنا نحن وأقرباء آخرون نحو بيت قريبة لنا تسكن على بعد شارعين من الكنيسة لنحضى بفرصة استيعاب ما حصل. منا من حافظ على تماسكه ومنا من انهار بعد اختفاء آثار الأدرينالين.
لا أدري كم بقينا هناك، مضى الوقت بين طمأنة من لم يأتوا معنا إلى الكرك، ومن تفاجؤا بوجودنا هناك، وعناق بعضنا الآخر شاكرين الله لبقائنا على قيد الحياة، ومعتصرين ألما على من فقدناهم ضحية هذا الإرهاب.
ثم اتجهنا عائدين إلى عمّان بعد تأكدنا من سلامة الطريق، وفعلا كانت طريق العودة ممتلئة بدوريات الشرطة والأمن.
هناك تفاصيل كثيرة من الصعب ذكرها وقد يختلف قليلاً ترتيب بعض الأحداث، لكن رأسي ممتلئ بصور ثابتة لا تتزحزح ولا يمكن محوها. رغم ذلك أشعر أن كل ما حدث حلم وليس حقيقة، وأن ما حصل اليوم لم يحدث، لكنه حدث

لور عدنان مدانات

Related Articles

en_USEnglish