Our Space

الأردن: هجوم الكنيسة الارهابي وسؤال التطرف يطرح من جديد!!

كيف حدث الهجوم الإرهابي؟

بعد ظهيرة يوم الجمعة 23 أكتوبر فجع الأردنيون بهجوم مسلح على كنيسة القديس جورجيوس في قرية حمود  التي يسكنها 400 شخص بمحافظة الكرك (على بُعد نحو 118 كم جنوب عمان).

إذ ترجل 3 مسلحين (أحدهم ملثم يحمل بندقية كلاشينكوف والآخران يحملان مسدسين) من مركبة زرقاء وأطلقوا النار بكثافة من مسافة قريبة مستهدفين المشيعين في جنازة سيدة مسيحية.

أودى هذا الهجوم الإرهابي بحياة 9 ضحايا من المدنيين والمشيعين (من بينهم أستاذ جامعي وأطباء ووجهاء) وإصابة العشرات بجروح.

وصفت الحكومة الأردنية الهجوم بأنه “عمل إرهابي نابع من فكر تكفيري ومتطرف”،وتوعد الملك عبد الله الثاني برد حازم وبأن “دم الأردني غالي”، وخرجت إدانات محلية وعربية واسعة ترفض محاولات المساس بالنسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين الاردنيين.

شهادة فتاة عاشت لحظات الرعب

روت الشابة لور عدنان مدانات تفاصيل اللحظات الصادمة التي عاشتها مع والدتها وقريباتها، حين تحولت صلاة الجنازة لوداع أحد الأقارب فجأة إلى وابل كثيف من الرصاص استمر لنحو 15 دقيقة؛ تصف مدانات كيف افترشن الأرض احتضاناً لبعضهن تحت المقاعد الخشبية بينما كان ركام الجدران المتفتت وشظايا الزجاج يتساقطان فوق أجسادهن وسط صرخات الذعر وبكاء العائلات الباحثة عن أحبتها بين الدماء. ورغم هول الموقف، سارعت العائلة بعد توقف النيران لتأمين بعضهن ومحاولة إسعاف الجرحى في الباحة التي تناثرت فيها جثامين الشهداء، وسط تكاتف أهالي البلدة لاحتواء الفاجعة قبل وصول طواقم الإسعاف والأجهزة الأمنية بعد قرابة 45 دقيقة؛ لتختم لور شهادتها بالتأكيد على أن تفاصيل ذلك الرعب محفورة في ذاكرتها ككابوس حي لا يُمحى، لكنه يجسد ألماً حقيقياً دفع ثمنه أبرياء في بيت عبادة. 

سؤال مكافحة التطرف يعود من جديد

يعرف عن الملك عبد الله الثاني مواقفه المناهضة للتطرف والارهاب باسم الدين، حيث يتبى الاردن من خلال رسالة عمان مبادئ الاعتدال في فهم الاسلام، وتم تكثيف هذا التوجه بعد ان أحرق تنظيم داعش الطيار الاردني معاذ الكساسبة حياً أمام الكاميرات. 

شكّل استشهاد الطيار معاذ الكساسبة في شباط 2015 نقطة تحول مفصلية في المقاربة الأردنية لمواجهة الإرهاب، إذ نقل المعركة من بعدها العسكري والأمني الصرف إلى عمقها الفكري والمجتمعي عبر تفعيل “الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف العنيف”؛ وهي خطة شاملة ارتكزت على تجفيف منابع الخطاب الراديكالي من خلال ضبط المنابر وتأهيل الوعاظ، ومراجعة المناهج المدرسية لتعزيز قيم المواطنة والتفكير الناقد، بالتوازي مع إطلاق برامج “المناصحة الفكرية” داخل مراكز الإصلاح والتأهيل لتفكيك شبهات الغلو وتأهيل النزلاء، وتكثيف جهود التحصين الرقمي والتربية الإعلامية لملاحقة منصات التجنيد الإلكترونية وقطع الطريق على الدعاية الظلامية التي تستهدف استقطاب الشباب، لكن السؤال هل كان ذلك كافياً؟ هل كان ناجعاً؟ 

بالنظر الى تفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي، نجد انه في كل عام وفي كل عيد من أعياد المسيحيين في الاردن تعج التعليقات بخطابات الكراهية والتطرف الديني ضد المسيحيين وطقوس اعيادهم، مما يطرح تساؤلا حول نتائج هذه الاستراتيحية على الارض؟ بل والسؤال الآخر، أين وحدة الجرائم الالكترونية من هؤلاء المعلقين !!

يلاحظ المراقب للفضاء العام الاردني بعد الهجوم الارهابي على الكنيسة، أن بعض الدعاة الاسلاميين المتشددين حاولوا بث رسالة من “التسامح”، لكن لغتهم الاصولية فضحتهم وأظهرت نظرتهم الأصولية للمسيحيين فعلى سبيل المثال، قال الداعية علاء جابر  في مقطع فيديو انه المسيحيين أمانة لدى المسلمين في الاردن !! 

وعلق بمنشور فيسبوكي الداعية السفلي إياد القنيبي ان النصارى ( ولم يقل المسيحيين) في الكنيسة مستأمِنين على اموالهم واعراضهم وانفسهم ، وان المسلم عليه دعوتهم للدين الحق وليس قتلهم، ومن الجدير بالذكر ان قنيبي نفسه كان يخرج ليحرم علينا تهنئة المسيحيين بأعيادهم، وهو من رفض الترحم على الصحفية شيرين أبو عاقلة بعد مقتلها على يد القوات الاسرائيلية في الضفة الغربية على سبيل مثال.

أما حزب الأمة التابع لجماعة الاخوان المسلمين، نشر بياناً مندداً بالهجوم لم يترحم فيه على الضحايا فيما تمنى للجرحى الشفاء العاجل، وأسماه حادثا اجراميا بدلاً من ارهابي.

هذه الأمثلة الثلاثة تنظر للمسيحيين على أساس فقهي بأنهم أهل ذمة يدخلون في حماية المسلمين في الاردن، وليس كمواطنين مساوين لهم في الحقوق والواجبات، هذا يعزز في الذهنية حالة لا تقضي على التطرف بل قد تعززه بشكل أو بآخر.

الشارع الأردني ما بين الحزن والغضب والاستقطاب

لا يمكن نكران حالة الحزن التي تعم البلاد والتضامن الانساني والوطني الواسع مع أهالي الضحايا، كما لا تخلو مواقع التواصل الاجتماعي من كثير من التعليقات المتطرفة التي أخرجت بعض المواطنين المسحييين و الناشطين الليبراليين او العلمانيين عن صمتهم إزاء  ما وصفوه بالتقاعص في محاسبة المحرضين، يعد مشهداً لافتاً ان ترى تذمر المسيحيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي رافضين عبارات وكليشيهات التعايش والتسامح، حيث اعتبر بعضهم انها عبارات استعلائية، الرفض ينبع من أن المصطلح يحمل حمولة سلبية، حيث انك تتسامح او تتعايش مع من اهو ادنى منك في الدين او القيم والقيمة، يقول مسيحيون وناشطون ليبراليون.

هذا الاستقطاب دفع بعض الناشطين الاسلاميين الى وصف المربع الآخر بانه يصطاد في الماء العكر ويستغل الحادث ليعبر عن كراهيته للدين الاسلامي، ووصفهم بعض الاعلاميين الأردنيين المحسوبين على الاعلام القطري بأنهم “دواعش العلمانية” ولا يختلفون عن التكفيريين والدواعش الارهابيين، وهذا تشبيه لا يخلو من تحامل وضعف في الحجة وسذاجة في المنطق، فكيف تشبه الارهابي الداعشي الذي يسلب روح الانسان المختلف عنه، بمفكر علماني كل ما يفعله هو أن ينشر رأياً هنا أو هناك.

وفي ذات السياق أصدر الناشط راكان صوالحة بياناً لاقى رواجا واسعا بين الشباب الأردني تحت عنوان “المواطنة ليست منّة من أحد”، أكد فيه أن جذور الوجود المسيحي في الأردن ضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا وليست حالة استضافة أو تفضلاً، مستندا إلى المادة السادسة من الدستور التي تقر المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات. وطالب البيان بالانتقال من إطار “خطاب التآخي والمجاملات الموسمية” إلى ضمانات قانونية ومؤسسية فاعلة ترسخ دولة القانون؛ تشمل مراجعة المناهج التعليمية لتعكس التاريخ المسيحي كجزء أصيل من الهوية الوطنية، والتطبيق الحازم للعقوبات بحق خطابات التحريض والتكفير بدلاً من التذرع بالوحدة الوطنية لتبرير الصمت عنها. كما شدد على رفض اختزال الصوت الشبابي المسيحي داخل الأطر التقليدية أو التمثيل النيابي المجرد، داعين إلى الإشراك المباشر للمسيحيين في صناعة السياسات والقرار الوطني بعيداً عن منطق المقاعد الدينية المحاصصة. 

ما هو المطلوب الان ؟ 

 يبدو استكمال تعديل المناهج باتجاه مكافحة التطرف الديني، ومراقبة المعملين الذي يشتكي بعض الاهالي من أن أبناءهم يتلقون أدلجة متطرفة خارج المنهاج الوطني من بعض المعلمين، حيث يتوقع ان تتسم المرحلة القادمة بوضوح اكبر باتجاه تعريف النصوص المتطرفة وحذفها من مناهج التعليم، وتعزيز التفكير النقدي لدى الطلبة لتحصين عقولهم امام الادلجة وغسيل الدماغ المتطرف. 

يطالب ناشطون أردنيون بحالة من المكاشفة مع اي فكر يحرض على كراهية الاخر المختلف بالدين او العقيدة او الفكر او الثقافة، يطالبون الان بفتح دفاتر الاصولية الاسلامية وتنقيح كتب الفقه والتراث ومساءلة الدعاة المتطرفين علنا دون وجل او خوف او مواربة، معتبرين ان الحل يبدأ بالصدق مع الذات.

كما تبدو حالة تعزيز التعددية وتقبل الاختلافات وفهم طبيعة الاديان والثقافات المختلفة في بلد مثل الاردن ليست رفاهية ليبرالية، انما حاجة وطنية ملحة، تحصن الارواح قبل العقول، فوجود فكر يحتضن ويبرر القتل باسم الدين بين المواطنين أمر يستدعي تحركاً عاجلاً لا التغطي خلف الشعارات والمجاملات. 

الموقف الرسمي وصف بأنه على قدر الحدث، ملكاً وحكومة ومؤسسات اعلامية، ورغم تفاوت الموقف الشعبي في التعاطي مع الحدث – وهذا أمر طبيعي – إلا أن تصريحات الملك وتوجيهات الحكومة كانت كفيلة بتوجيه الرأي العام نحو رفض كبير للحدث الإرهابي، يهيئ الشعب الاردني لمرحلة قادمة تتطلب كثيرا من العمل والأمل بمستقبل أردني أفضل. 

رغم الشوائب، الأرقام والشواهد إيجابية 

اذا نظرنا الى الحالة الأردنية في العلاقات الإسلامية–المسيحية  سنجد نموذجا جيدا للعيش المشترك والمواطنة العضوية، وهو ما تعكسه الأرقام والأدبيات السوسيولوجية؛ إذ تثبت المسوح الميدانية المتخصصة في الداخل الأردني أن التماسك الإسلامي–المسيحي يُعد ركيزة بنيوية ملموسة لا مجرد خطاب إنشائي؛ فوفقاً لدراسة “المواطنة والتماسك الاجتماعي” الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، أكد 92% من الأردنيين أن حرية ممارسة الشعائر الدينية للمسيحيين مصانة ومتاحة بالكامل، بينما أقر 89% بأن المواطنة والواجبات الدستورية متساوية بصورة تامة دون تمييز ديني. وتتطابق هذه المعطيات مع استطلاعات الباروميتر العربي الخاصة بالأردن (تقرير الحالة الأردنية 2022)، حيث شدد أكثر من 91% من المواطنين على غياب أي أثر للانتماء الديني في العلاقات اليومية والشراكة المجتمعية، وسط انعدام شبه تام لأي توترات طائفية على امتداد محافظات المملكة. 

ما يجب أن يكون من المعلوم بالضرورة

لا يمثل الوجود المسيحي في الأردن فصلاً طارئاً أو وافداً على تاريخ المنطقة، بل يشكل لبنة تأسيسية ضاربة في عمق الهوية المشرقية تمتد شواهدها الأركيولوجية إلى فجر المسيحية ذاته؛ إذ تحتضن أرض المملكة أقدم معالم الإيمان المسيحي في العالم، بدءاً من موقع «المغطس» على الضفة الشرقية لنهر الأردن (بيت عنيا عبر الأردن) حيث انطلقت الدعوة الروحية، وبقايا «كنيسة العقبة» الأثرية المؤرخة بنهايات القرن الثالث الميلادي (نحو 293–300م) والتي تُصنف كأقدم مبنى صُمم كنيسةً قائمة بذاتها عالمياً، وصولاً إلى منظومة الكنائس والفسيفساء البيزنطية في مادبا وأم الرصاص ورحاب المفرق.

 وتجاوز هذا الحضور البُعد الأثري ليغدو عماداً ديموغرافياً أصيلاً عبر كبرى القبائل العربية كالغساسنة ولخم وجذام وسليح؛ حيث انحدرت العشائر المسيحية الأردنية الحالية من هذا الصلب القبلي والعروبي الممتد عبر القرون، مشكّلة جزءً لا يتجزأ من تكوين المجتمع الأردني منذ ما قبل الفتوحات الإسلامية، ومروراً بالدفاع المشترك عن الأرض وثورات الكرك والشوبك، وصولاً إلى بناء الدولة الحديثة بمؤسساتها المدنية والعسكرية والثقافية.

في ظل كل هذا وذاك يمكننا ترجيح الارتياح الى ان صف الوحدة الوطنية الأردنية عصي على التصدع، وأن الاستقطاب الحاصل على مواقع التواصل الاجتماعي هو حالة نقاش وغضب طبيعية في بلد صُدم أهله بمقتل 9 من أبنائه في صلاة جنازة، في كنيسة، في قرية نائية، وفي ربع ساعة !!

أسامة عيسى

Related Articles

en_USEnglish