أصواتٌ مُرهقة وأبوابٌ موصدة أزمة الصحة النفسية والخذلان في كليات الطب والمؤسسات الصحية

ما زال مرضى القلق والاكتئاب والاضطرابات النفسية يعانون من وصمة مجتمعية حالت كثيرًا دون طلبهم المساعدة، وكثيرًا ما تقودُ معاناتهم الصامتة إلى الانتحار. ورغم ذلك، فإن سنواتٍ طويلة من مناشدات النشطاء ومنظمات المجتمع المدني والأطباء لهم: “اطلبوا المساعدة”، قد شجعت الكثيرين أخيراً على رفع أصواتهم. لكن ما لا يخفى على أحد أن طلب المساعدة لا يُجدي نفعاً ما لم نستجب نحن لصرخاتهم. لذا، فإن الخطر الحقيقي اليوم لم يعد يكمن في أن يعاني المريض بصمت بل أن يغدو كمن يصرخ مستغيثاً بملء حنجرته أمام أبوابٍ موصدة؛ يستنزف روحه أملاً في النجاة، فلا يلقى من العابرين سوى نظرات الاستغراب والخذلان… أن يطرق مريض الاكتئاب أبواب العيادات طالبًا طوق النجاة، ليجد نفسه فجأةً في قفص الاتّهام.
وأنا أكتب مقالي هذا، تحديداً، عُقب فاجعةٍ قرر المسؤولون أنه لا يجب أن نتحدث عنها ولذا سأتجاوز تفاصيلها؛ غير أن هذا الصمت يستحضر في ذهني مفارقة حادة بين هذه الحادثة و أخرى مشابهة في مرارتها كان ضحيتها الطبيب الأردني وليد أبو حشمة -رحمه الله- والذي فقدناه خلال فترة إقامته في مستشفى لينكولن بالولايات المتحدة (Misdary, 2021). وكان قد سبق ذلك انتحار طبيبة أخرى تُدعى (أديتي سينغ)، مقيمة في سنتها الثانية أيضًا في المستشفى ذاته.
أثار خبر انتحار الطبيبين أبو حشمة و (سينغ) موجة غضب واحتجاجات من قبل الأطباء المقيمين والنشطاء، الذين وجهوا للمستشفى اتهامات بفرض بيئة عمل سامّة تتسم بساعات العمل الطويلة (بالأخص خلال جائحة كورونا) ووجود ممارسات تنمّر وترهيب من قِبل رؤساء الأقسام وغياب الدعم النفسي للأطباء. كما اتّهمت الإدارة بمحاولة التستر على الحوادث والتقليل من شأنها، أو ادّعاء أنها ناتجة عن “مشاكل شخصية” بدلًا من الاعتراف بخلل المنظومة.
ورغم إنكار الإدارة لمسؤوليتها في البداية، إلا أن الضغط الإعلامي والحقوقي الهائل أجبر الهيئة الوطنية لاعتماد التعليم الطبي العالي (ACGME) على وضع برنامج الطب الباطني (الذي أقام فيه وليد أبو حشمة) تحت وضع المراقبة في عام 2022، وهو إجراء تصحيحي نادر وصارم. كما أن المطالبات النقابيّة أدت إلى تخصيص ميزانية أكبر لبرامج الصحة النفسية للأطباء، وتسهيل عملية الإبلاغ عن التنمر الإداري دون خوف من الانتقام الوظيفي، فضلًا عن زيادة الرواتب لتقليل الضغط المادي الذي يزيد من حدة التوتر النفسي.
مأساة وليد أبو حشمة لم تذهب سدى؛ فقد كانت الشرارة التي أدت إلى فضح ممارسات كانت تُحاط بالصمت لعقود. وأدت إلى الاعتراف بأن انتحار الطبيب هو فشل إداري ومؤسّسي وليس مجرد “مشكلة شخصية”. وما مأساة وليد، أو الفاجعة المحلية التي فُرض الصمت على تفاصيلها، إلا تجسيدٌ واقعي لأزمة أعمق تنخر في عظام المنظومة الصحية والأكاديمية. إن هذا الانهيار المؤسسي والإنهاك النفسي ليس مجرد انطباعاتٍ عابرة، بل هو واقع مرير تؤكده لغة الأرقام. فعند النظر بعدسة البحث العلمي ومراجعة الأدبيات والدراسات الحديثة في الأردن، تتكشف لنا أبعاد هذه الكارثة بوضوح:
بيّنت دراسة شملت طلاب الطب في جامعة اليرموك أن 48.4% منهم مسجلون ضمن دائرة الخطر للإصابة بالاكتئاب، و 36.7% للقلق، و 63.6% يعانون من مستويات إجهاد عالية (Dodin et al., 2024). كما أظهرت النتائج أن أكثر من نصف هؤلاء الطلاب يعانون من أعراض جسدية (Somatization)، في حين بلغت نسبة خطر الإصابة باضطرابات الأكل 28.6%، وشهد 26% من الطلاب أفكاراً انتحارية (Dodin et al., 2024).
في دراسة أخرى شملت عدة كليات طبية، بلغت نسبة الإرهاق (Exhaustion) والانسحاب (Disengagement) معدلات مرتفعة جداً وصلت إلى 91% و 87% على التوالي، مع ظهور مؤشرات على أمراض نفسية طفيفة لدى 92% من الطلاب المستطلعة آراؤهم (Masri et al., 2019). علاوة على ذلك، أدت جائحة (Covid-19) إلى تفاقم هذه الضغوط بشكل ملحوظ؛ حيث أبلغ 50.3% من طلاب الطب عن ضائقة نفسية شديدة بسبب تحديات التعلم عن بعد، والمخاوف المالية، والعزلة (Masri & Khamees, 2024).
على مستوى الكوادر الطبية العاملة في المستشفيات الأردنية، أظهرت الأبحاث أن الأطباء والممرضين يعانون من مستويات عالية من الإجهاد الوظيفي (Job Strain) ومستويات منخفضة من الرضا الوظيفي (Alnajdawi et al., 2024). ورغم أن التفكير الانتحاري كان منخفضاً في المجمل، إلا أنه يرتبط ارتباطاً إيجابياً بالإجهاد الوظيفي وسلبياً بالرضا الوظيفي، حيث يعمل الرضا الوظيفي كعامل وسيط هام يقلل من احتمالية التفكير الانتحاري (Alnajdawi et al., 2024). كما برز الدخل الشهري المنخفض (أقل من 500 دينار أردني) كعامل ديموغرافي ذي دلالة إحصائية في زيادة معدلات التفكير الانتحاري بين العاملين في القطاع الصحي (Alnajdawi et al., 2024).
إنقاذ كوادرنا الطبية وطلابنا من هذه الأزمة يتطلب تغييرات مؤسسية عميقة. لم يعد مقبولًا أن نرمي عبء النجاة على كاهل المريض وحده أو نوجّه له أصابع الاتّهام ونعفي المؤسسات من مسؤوليتها بالصمت على الكارثة بعد أن تحصل، بل يجب أن نؤمّن لهم طريق العلم والخدمة. والتحرك الفوري يجب أن يرتكز على عدة مسارات استراتيجية تدعمها الدراسات الحديثة:
أولاً: هدم الوصمة الاجتماعية وبناء الوعي المبكر. يبدأ الإصلاح الحقيقي من قاعات المحاضرات والمناهج الأكاديمية؛ إذ يجب ألا يقتصر التعليم على حشو العقول بالعلوم الصرفة، بل يجب أن يمتد لدمج التثقيف النفسي وتدريب الطلاب على مهارات المرونة وإدارة الضغوط. إن دمج هذه المفاهيم وتحديث المناهج لتخفيف العبء الأكاديمي الزائد، سيخلق جيلاً من الأطباء القادرين على فهم آلامهم وأولويات صحتهم النفسية، متجرّدين من عقدة الخجل أو الخوف من طلب المساعدة.
ثانياً: شبكة أمان مؤسسية. لا قيمة للوعي إن لم تقابله بنية تحتية مستعدة لاحتضان من يتخطى الوصمة ويلجأ للمؤسسات المعنية. يجب على المؤسسات الأكاديمية والصحية أن تخلق مساحات آمنة ومجانية للدعم النفسي يسهل الوصول إليها في أي وقت. يتضمن ذلك تأسيس برامج توجيه متسلسلة، حيث يحتضن الأطباء والطلاب الأقدم زملاءهم الأحدث لتبديد وحشة البدايات ومخاوف الانتقال إلى الحياة السريرية. كما أن تبني حلول التكنولوجيا الحديثة، مثل توفير منصات الدعم النفسي الرقمي والخطوط الساخنة السريّة، سيمنح من تكبله الوصمة نافذة نجاةٍ تضمن سريته وكرامته.
ثالثاً: ترميم بيئة العمل. لا يمكن لطبيبٍ يستنزف روحه في مناوباتٍ لا ترحم، وفي بيئة عمل تفتقر لأبسط مقومات الأمان، أن يقدم رعاية صحية سليمة. إن حماية أطبائنا تتطلب تدخلًا حازمًا لإنهاء حالة الاحتراق الوظيفي (Burnout)، عبر تحسين ظروف العمل، وتخفيف ساعات المناوبات، وتوفير حماية فعلية لهم من العنف الجسدي واللفظي. وقبل هذا وذاك، يجب إعادة النظر في سلم الأجور لضمان حياة كريمة تليق بحجم مسؤولياتهم؛ فمن غير المعقول أن يرزح الطبيب تحت وطأة ضائقة مالية تسرق منه سلامه النفسي وتقوده نحو الهاوية.
ختامًا.. إن التحدّي الحقيقي اليوم في سياق الصحة النفسية عند الطلبة والكوادر الطبية ليس في حثّ المرضى على طلب النجدة، بل في بناء مؤسسات تملك إرادة حقيقية للاستماع والتغيير. فما لم نعترف بأن انهيار الطبيب أو الطالب هو فشلٌ مؤسسيٌّ وهيكليّ، سنبقى نراقب بعجزٍ تساقط تلك الأرواح، وسيبقى كل نداءٍ للاستغاثة مجرد صرخة في وادٍ غير ذي زرع.
حمزة سلامه
يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا



