اخلعي “عباءة الذبح” قبل أن ترتدي روب المحاماة !
هذا الواقع الدامي، من زينة المجالي إلى ضحية التنمية الاجتماعية، يمنح تصريحات تلك المحامية التي ظهرت مؤخراً على شاشة "قناة رؤيا" بُعداً إجرامياً مضاعفاً. فعندما تقف امرأة، درست القانون، ودخلت سلك المحاماة، وحققت تمكيناً اقتصادياً وظهوراً إعلامياً، لتقول بدم بارد إن من حق الأب أو الزوج أو الأخ قتل المرأة في حال الزنا او الشك بها، وتعتبر ذلك حقاً طبيعياً وبديهياً

لم تمرّ الواقعة الأخيرة التي شهدتها شاشاتنا مرور الكرام، ولعل هذا هو الجانب المضيء الوحيد في هذه الصدمة الفادحة. فبصفتي صحفياً أردنياً يعيش تفاصيل المشهد الثقافي والإعلامي في بلدنا، لمستُ عن قرب حجم الاستنكار الواسع والغضب العارم الذي أبداه الزملاء والزميلات؛ إذ انتفضت العديد من الصحفيات الأردنيات الشجاعات، ومعهن أصوات حرة من الصحفيين والكتاب، لرفض هذا الخطاب صراحةً وبلا مواربة. هذا التحرك الجماعي الواعي هو ما دفعني لكتابة هذا المقال اليوم، ليس فقط لتسجيل موقف، بل لخوض معركة وعي حاسمة؛ معركة نؤكد فيها بأعلى صوت أننا لن نسمح بعد الآن لدعاة القتل بالظهور مجدداً على منابرنا، لتمجيد سفك الدماء وإعطائه غطاءً قبلياً أو عشائرياً أو تقليدياً بالياً، فالمسألة تتجاوز مجرد رأي عابر، إنها مواجهة مباشرة مع محاولة شرعنة الجريمة بأدوات الحداثة، في وقت يسيل فيه دم النساء في شوارعنا ومؤسساتنا بلا توقف.
تأتي هذه المواجهة الإعلامية في وقت يعيش فيه الأردن، خلال الأشهر الأخيرة من عام 2026 الحالي فقط، موجة عنيفة ومرعبة من الجرائم الموجهة ضد النساء، أو ما يُطلق عليها زوراً وتبسيطاً “جرائم الشرف”، والتي لم ترحم حتى بناتها اللواتي يرتدين ثوب الحق والقانون؛ فقبل أشهر قليلة هزت المجتمع فاجعة مقتل المحامية زينة المجالي على يد شقيقها، في دليل قاطع على أن رصاص التخلف لا يفرق بين امرأة مُمكَّنة وأخرى مستضعفة. ولعل الجريمة الفادحة التي وقعت قبل يومين فقط هي التجسيد العملي الصادم لاستمرار هذا الجنون؛ إذ أقدم رجل على قتل زوجته وشخصين آخرين بدم بارد داخل مبنى تابع لوزارة التنمية الاجتماعية، قبل أن ينهي حياته بالانتحار. وفي المقابل، سارعت الوزارة للتنصل والتبرؤ من تبعية المبنى لإخلاء مسؤوليتها، في مشهد بيروقراطي بائس، بينما الحقيقة الثابتة والوحيدة وسط الركام هي أن الضحية امرأة دفعها مجتمعها دفعاً نحو حتفها، في مكان كان يُفترض به أن يكون ملاذاً للحماية والتنمية لا مسرحاً للإعدام.
هذا الواقع الدامي، من زينة المجالي إلى ضحية التنمية الاجتماعية، يمنح تصريحات تلك المحامية التي ظهرت مؤخراً على شاشة “قناة رؤيا” بُعداً إجرامياً مضاعفاً. فعندما تقف امرأة، درست القانون، ودخلت سلك المحاماة، وحققت تمكيناً اقتصادياً وظهوراً إعلامياً، لتقول بدم بارد إن من حق الأب أو الزوج أو الأخ قتل المرأة في حال الزنا او الشك بها، وتعتبر ذلك حقاً طبيعياً وبديهياً لا تعترض عليه لأن الأعراف والقانون يمنحان هذا الحق للرجل؛ فنحن هنا لا نقف أمام مجرد “رأي متطرف”، بل نقف أمام شريكة فكرية لكل قاتل يضغط على الزناد. إن الرصاصة التي تقتل النساء في الواقع، وتغتال المحاميات في بيوتهن، تُصنع أولاً في مختبرات هذه الأفكار المشوهة وعلى شاشات الإعلام المنفلت الذي يمنح منصاته لتبرير الذبح تحت لافتة “محاميات ضد النساء”.
هذه الواقعة المخزية تفرض علينا تمزيق القشرة الخارجية لشعارات تمكين المرأة الجاهزة، لنغوص في عمق البنية الفكرية التي تعيشها مجتمعاتنا اليوم، والتي يمكن وصفها بدقة بأنها مجتمعات الأبوية المستحدثة أو “النيوباترياركية”. وهي مجتمعات تأخذ شكل الحداثة من الخارج، لكنها تحتفظ بأقسى تمظهرات البنية الأبوية في العمق. وفي هذه المنظومة، لم يعد النظام بحاجة إلى منع المرأة من التعليم، أو العمل، أو السفر، أو اعتلاء المنصات الإعلامية، بل صار يسمح لها بالدخول إلى المجال العام، ويمنحها مساحة للحركة، ولكن بشرط ضمني وصارم: شاركي، انجحي، واكسبي المال، ولكن إياكِ والتمرد على بنية النظام الأبوي أو محاولة تفكيك أفكاره ومفاهيمه، بل عليكِ أن تضمنيها كحارسة لها.
المحامية التي ظهرت على الشاشة هي التجسيد الحي والمشوه لهذا النظام، فهي تملك الحقيبة المهنية الحديثة، وتحمل شهادة في القانون المفترض به حماية الحق في الحياة وسيادة الدولة، لكنها في العمق تحمل العقلية القبلية ذاتها، لدرجة جعلتها تتماهى مع المنظومة التي تقمع وتستبيح بنات جنسها، وتتحول إلى أداة لإعادة إنتاجها وضمان استقرارها. إنها تكشف لنا زيف المقولة السائدة بأن تعليم المرأة وعملها يؤديان تلقائياً إلى تحررها؛ فما حققته هو مجرد خلاص فردي صعدت به مهنياً واقتصادياً، دون أن يضمن خروجها من المستنقع الفكري نفسه. والخطورة هنا تكمن في الذكاء الخبيث للنظام الأبوي الجديد الذي يفتح الأبواب لبعض النساء بشرط أن يتحولن إلى “حارسات للبوابات”، يبررن القتل والوصاية بحماس واندفاع يفوقان أحياناً ما يفعله الرجال أنفسهم.
عندما تتبنى امرأة مُمكَّنة قانونياً وإعلامياً خطاباً يشرعن الجريمة، فإنها تمنح الفكر الذكوري الأبوي أخطر ما يبحث عنه: المشروعية والمظلة الأخلاقية. وكأن المنظومة الأبوية تقول للمجتمع وللمدافعين عن حقوق الإنسان إن النساء المتعلمات والمحاميات أنفسهن يتفقن مع هذه الأعراف ويرونها بديهية وطبيعية، إذن العيب ليس في النظام. هذا التمكين الشكلي لا يكسر البنية القمعية، بل يساهم في تحصينها وجعلها أكثر استقراراً وقبولاً، إنه يحول القانون من أداة للعدالة إلى سوط للجلاد، ويجعل من الجريمة التي تُرتكب تحت مسمى الشرف أو العاطفة فعلاً مدعوماً بمباركة نسوية مشوهة تمنح القتلة الضوء الأخضر الضمني لارتكاب المزيد من المجازر والجرائم البشعة.
إن معركة مناهضة العنف ضد النساء، وحماية حقهن الأساسي في الحياة في الأردن، ليست معركة أرقام ونسب؛ فالعبرة ليست بكم امرأة دخلت الجامعات، بل هي معركة بنيوية وفكرية وجودية في المقام الأول. إن الخلاص الفردي لا يحمي الجماعة، وموقفنا اليوم كجسم صحفي أردني واجه هذه السقطة الإعلامية بكل حزم، هو الخط الأول للدفاع عن إنسانية مجتمعنا وعن دماء الضحايا التي أُريقت خلال الأشهر الماضية. التمكين الحقيقي ليس في استعارة أدوات النظام الأبوي للدفاع عن شروره والتماهي معها، بل في امتلاك الوعي والشجاعة لنقد هذه البنية وتفكيكها من جذورها. الجريمة ستبقى جريمة، والقاتل سيبقى قاتلاً، أما أولئك الذين يرتدون ثوب القانون ليبرروا القتل بالأعراف والتقاليد، فمكانهم التاريخي معلوم: حراس في معبد التخلف، يحملون دماء الضحايا على عباءاتهم المهنية الحديثة، ونحن كصحافة حرة لن نمنحهم صك الغفران أو فرصة التكرار ليتواطأوا في هدر دم امرأة أخرى.
حمودة مكاوي
يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا



