نظام غذائي أم ظاهرة مقلقة؟

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الترندات تقتصر على الترفيه أو الموضة، بل أصبحت قادرة على تغيير سلوك الناس اليومي، وحتى التأثير في الأسواق والاقتصاد. ومن أبرز الأمثلة مؤخرًا ما يُعرف بـ”نظام الطيبات”، الذي بدأ كحمية غذائية انتشرت عبر المنصات الرقمية، قبل أن يتحول إلى ظاهرة أثارت نقاشًا واسعًا حول آثارها الصحية والاقتصادية.
ومع تصاعد الجدل، لم يعد السؤال مقتصرًا على فعالية هذا النظام، بل أصبح يدور حول مدى سلامته، وتأثيره على الاقتصاد، والدور الذي ينبغي أن تلعبه المؤسسات الرسمية في التعامل مع مثل هذه الظواهر.
من ترند على الإنترنت إلى قضية عامة
في البداية، بدا “نظام الطيبات” كغيره من الأنظمة الغذائية التي تنتشر بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان الاعتقاد السائد أنه سيختفي بعد فترة قصيرة. إلا أن انتشاره استمر، واتسعت دائرة متابعيه، حتى أصبحت آثاره محل نقاش داخل البرلمان.
وفي هذا السياق، طرح النائب ينال فريحات سؤالين جوهريين: هل هذا النظام يستند إلى أساس علمي؟ وما تأثيره على الاقتصاد والتجارة؟
البعد الصحي: هل يكفي الانتشار لإثبات السلامة؟
أي نظام غذائي يجب أن يخضع للتقييم العلمي، لا لعدد المتابعين أو حجم انتشاره على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد أثيرت مخاوف بعد تداول تقارير عن حالات وفاة ارتبطت باتباع هذا النظام أو تطبيقه بصورة غير مناسبة. وإذا ثبت أن اتباع نظام غذائي معين قد يؤدي إلى مخاطر صحية أو وفيات في ظروف معينة، فإن ذلك يستدعي تقييمًا علميًا دقيقًا، ولا يمكن اعتباره نظامًا آمنًا لمجرد أنه يحظى بشعبية واسعة.
فالطب يعتمد على الدراسات والأدلة العلمية، لا على الترندات أو تجارب الأفراد وحدها.
التأثير الاقتصادي: عندما تغيّر الحميات سلوك السوق
لم يقتصر تأثير الظاهرة على الصحة، بل امتد إلى الأسواق أيضًا.
فبحسب ما طُرح في النقاش، شهدت بعض المخبوزات ارتفاعًا ملحوظًا في الطلب، في حين تراجع الإقبال على منتجات غذائية أخرى مثل الدجاج، كما تغيرت أنماط الشراء لدى عدد من الأسر الأردنية.
ورغم أن تغير سلوك المستهلك أمر طبيعي في أي اقتصاد، فإن الانتقال الجماعي والمفاجئ نحو نمط استهلاك معين قد يؤدي إلى اضطرابات مؤقتة في العرض والطلب، ويؤثر في حركة بعض القطاعات التجارية.
هل للنواب دور في متابعة هذه الظواهر؟
قد تبدو الحميات الغذائية خيارًا شخصيًا، لكن عندما تتحول إلى ظاهرة واسعة قد تمس الصحة العامة أو تؤثر في الاقتصاد، يصبح من الطبيعي أن تحظى باهتمام السلطة التشريعية.
ولا يتمثل دور النواب في تقييم الأنظمة الغذائية أو إصدار الأحكام الطبية، وإنما في مراقبة آثارها العامة، ومساءلة الجهات المختصة عن دورها في التوعية، وضمان وصول المعلومات الصحية الدقيقة للمواطنين، ومتابعة أي انعكاسات اقتصادية قد تنتج عن انتشارها.
بين حرية الاختيار والمسؤولية العامة
يبقى اختيار النظام الغذائي حقًا شخصيًا، لكن هذا الحق ينبغي أن يستند إلى معلومات موثوقة وإرشادات علمية، لا إلى ما يحقق أعلى نسب مشاهدة أو انتشارًا على وسائل التواصل.
وفي المقابل، فإن انتشار أي ظاهرة تؤثر في صحة المواطنين أو في الاقتصاد يجعلها قضية تستحق النقاش العام والمتابعة المؤسسية.
ويبقى السؤال المطروح: كيف يمكن الاستفادة من قوة وسائل التواصل في نشر الوعي الصحي، بدل أن تتحول بعض الترندات إلى مصدر لمخاطر صحية أو اضطرابات اقتصادية؟



