Our Space

“طاقة الأنوثة” تحرر، أم قيد لامع؟

"احمي طاقة أنوثتك"، "لا تقولي رح تشاركي زوجك بالمصاريف"، "ديري بالك ليستغلّك"، "أنتِ أميرة"، "ارفعِي استحقاقك"، "طاقتك استقبال وبس".

شافونا تحرّرنا من “رِفقًا بالقوارير” و”الرِّجال قوّامون على النساء” و”المَرَا مكانها المطبخ” و”ناقصات عقلٍ ودين”… فإذا بالقالب نفسه يعود متأنّقًا: “احمي طاقة أنوثتك”، “لا تقولي رح تشاركي زوجك بالمصاريف”، “ديري بالك ليستغلّك”، “أنتِ أميرة”، “ارفعِي استحقاقك”، “طاقتك استقبال وبس”.
المفردات تغيّرت، لكن الرّسالة واحدة، حَصـرُ المرأة في دورٍ مُحدَّد مسبقًا، مرةً باسم الدين، ومرةً باسم الحماية، وثالثةً باسم الطاقة والرّوحانيات. هذا ما سمّته الأبحاث “التّمييز المُتَحَبِّب”؛ خطابٌ يبدو لطيفًا لكنّه يُرسِّخ تبعيّة المرأة ويكافئ “الضّعف الجميل”.
لماذا يصعُب أن نراها شريكة؟ لأنّ القالب تبدّل ولم يُكسَـر! تضعُ سيمون دو بوفوار يدها على الجرح عندما تقول: “لا تُولد المرأة امرأة، بل تُصبح كذلك” وبهذا تذكيرٌ بأنّ الأدوار تُصنع اجتماعيًا، لا بيولوجيًا – كما يُرَوَّج – . هذا بالضبط ما نعيشه حين تُعاد صياغة القيود نفسها بعباراتٍ “حديثة”
ولأنّنا نحبّ الأرقام، ونراها صريحة ولا تُجاملنا، نعود إلى تقرير الفجوة الجندريّة العالميّ لعام 2025 إذ يقول: إنّ العالم أغلق فقط 68.8% من هذه الفجوة، وسنحتاج ما يُقارب 123 عامًا لنبلغَ التّكافؤ المنشود، إن بقينا بهذه الوتيرة طبعا، معنى ذلك أنّ التّجميل اللغويّ لن ولم يلغِ الفارق البنيويّ القائم على الجندر.
وحتى حين تكسب المرأة بقدر شريكها أو أكثر، تُظهر دراسات الوقت والاستخدام المنزليّ أنّها لا تزال تُنجز نصيبًا أكبر من الأعمال المنزليّة والرّعايّة، ظاهرةٌ موثّقة في بيانات (بيو). إذن الشّراكة الماليّة لا تكفي وحدها؛ نحتاج شراكةً في المسؤوليات أيضًا.
وفي جوهر الاستقلال تقول (فيرجينيا وولف): “تحتاج المرأة إلى مالٍ وغرفةٍ تخصّها لتكتب”. الغرفة هنا حيّزٌ من الوقت والقرار والاحترام. حيث تبدأ الشّـراكة الحقيقيّة حين نعترف بهذا الحقّ لكلّ امرأة، داخل البيت وخارجه.
ولمن تعِبنَ من لقب “امرأة قوية مستقلّة” هل جاء عبؤه من القوّة أم من الوِحدة التي قد تُصاحبه؟ التّاريخ مليءٌ بنساءٍ حمَلن الاستقلال كهويةٍ لا كشعار، فلم يعتذرن عنها ولم يَخفن أثمانها، ولم يحمِلْنها لأجل أحد آخر ٍ غيرهن. أودّ أن نلتفتَ إلى تحذير (أودري لورد): “إنّ أدوات السّيد لن تُهدّم بيت السّيد”؛ أيّ إنّنا لا نهدم القوالب القديمة بمكياجها فقط، بل بإعادة توزيع السّلطة والمعنى والعمل، وبتفكيك المصطلحات وبنائها من جديد.

ودائمًا ما تُذكّرنا ( bell hooks) بأنّ: “النّسوية تُعلّمنا محبّة العدل والحريّة على نحوٍ يُنمّي الحياة” وهذه قيمةٌ إيجابيّة لا عداء فيها لأحد، على العكس هي دعوةٌ إلى شراكةٍ كاملة.
سألتفتُ إلى جملة تخلق دمارًا هائلًا في العلاقات، وهي من القوالب الحديثة التي تبدو في ظاهرها بريئة، ولكن يتمترسُ خلفها سمٌّ قاتل، وهي: “أنا بسكوتة وانخلقت لأتدلع”. جملةٌ لطيفةُ النّغمة، مُغرقةٌ في تخصيب الخيال، ولكن تصوَّر ماذا سيحدث عندما تتحوّل إلى مبدأ حياة! أقلّ ما تفعله أنّها ستزرع بذور ما يمكن تسميته (الأنوثة السّامّة) مثلما هناك ذكورة سامّة. وهذا النّوع من السّمّ، داءٌ اجتماعيّ يربط قيمة المرأة بضعفها المتعمَّد واعتمادها على الآخرين، واتكاليّتها حتى في فتح مرتبان المربى! وكأنّ هذا الدّلال يصبح هو الهويّة الوحيدة التي تحملها الفتاة. حينما نقرأ في علم النّفس الاجتماعيّ تتوضّح هذه الأنماط، وتَظهرُ مساهمتها – وإن كانت مغلَّفة باللطف – ، في تقييد النّساء عن تطوير مهارات الاستقلاليّة وتحمُّل المسؤوليّة، تمامًا كما تُقيّد الذّكورة السّامّة الرّجال بمفاهيم قاسية عن القوّة والسّيطرة.
أصلُ إلى أنَّ المرأة التي تُقنع نفسها أنّ الدّلع هو رسالتها في الحياة، تتنازل ولو بلا وعي عن دورها شريكة كاملة في القرار والعمل، وتعيد إنتاج القالب الذي ناضلت نساء كثيرات لكسـره. وكما تقول نوال السّعداويّ: “الأنوثة ليست ضعفًا، كما أنّ الرّجولة ليست قوة” فالمسألة كلّها في الإنسان.
إذن، لماذا لا نرى المرأة شريكة؟ لأنّنا نرى الشّـراكة لقبًا! ويُعجبنا التّغنّي به! ، ويخفتُ غناؤنا حين يهمسُ لنا أنّ الشّـراكة تقاسم قرارٍ ومسؤوليةٍ ووقت ومال. حين يتقاسم الشّريكان المال والرّعاية والمساحة والقرار، يغدو الخطاب الحامي أو المُجَمِّل فائضًا عن الحاجة. الحريّة ليست مُرهقة؛ المُرهِق حقًّا والمنهك هو استبقاء دونيّةٍ تُصوَّر مرةً كضعفٍ رقيق، ومرةً كخِداعٍ أنثويّ، ومرةً كمصيرٍ طاقيّ لا فكاكَ منه.
فلنغيِّر السّؤال إذن، من: كيف نحمي أنوثتها؟ إلى: كيف نفكّ قيودها لتعيشَ كرامتها واقعًا؟
وأردّد: شراكةٌ في الأعباء، شراكةٌ في القرار، شراكةٌ في الثّمرة.
وهنا فقط، تعود “ساندريلا” مواطِنةً كاملة، و”الطاقة” إنسانيةً مُشتركة، و”الاستحقاق” حقًّا للجميع.

Related Articles

en_USEnglish