Our Space

الصواريخ الايرانية على الأردن، عبور أم استهداف؟

لطالما كان الناس في الشرق الأوسط يمزحون، بشيء من الغبطة أو الاستغراب، حول الهدوء الذي يتمتع به الأردن ودول الخليج، فهذه الشعوب لم تختبر حرباً حقيقية طوال السنوات الخمس والثلاثين الماضية. وبينما كان المحيط يغلي بالصراعات، ظل الأردن واحة للأمان والاستقرار يُضرب بها المثل في منطقة مضطربة. لكن هذا الحال تغير جذرياً؛ ففي نيسان 2024، لم تكن الصدمة في رؤية الصواريخ والمسيّرات وهي “تعبر” سماءنا فحسب، بل في الحقيقة المروعة التي تكشفت لاحقاً: أننا لم نكن مجرد ممر، بل كنا في قلب بنك الأهداف. فجأة، لم يعد صراع الشرق الأوسط خبراً في نشرة عاجلة، بل صار تهديداً وجودياً يصرخ فوق رؤوسنا، ليكسر صمت العقود بصفارات إنذار لم تكن للتحذير من “مرور” عابر، بل من “استهداف” مباشر وممنهج -على ما يبدو-.

ضريبة الجغرافيا
لفهم مأزق الأردن الحالي، يجب النظر إلى المسار الطويل لتاريخه. منذ تأسيسها، عملت المملكة كـ “ممتص للصدمات” الرئيسي في المنطقة؛ من تدفق اللاجئين في أعقاب كل صراع إقليمي كبير، إلى دورها كمثبت للاستقرار خلال اضطرابات الربيع العربي. لقد أتقن الأردن فن البقاء في حيّز جغرافي عنيف، ومع ذلك، يمثل التصعيد الأخير تحولاً خطيراً في طبيعة هذه التهديدات. فبينما كانت تحديات الماضي غالباً إنسانية أو حدودية، فإن التهديد الحالي هو تهديد عمودي يخرق حرمة السماء، ليصبح استحقاق “الضريبة الجغرافية” حماية مجال جوي سيادي تحول فجأة إلى طريق سريع ومستهدف من قبل العمالقة الإقليميين.

واجب السيادة
إن قرار القوات المسلحة الأردنية باعتراض الأجسام الغريبة ينقل الرواية من “التنسيق الدفاعي” إلى “الدفاع الوطني “.
فالمعطيات العسكرية التي كشفت عن التصدي لنحو 60 صاروخاً كانت موجهة لأهداف داخل الأراضي الأردنية تقلب الطاولة على كل من حاول تصوير الموقف الأردني كخدمة لأطراف خارجية. هذا يعني أن المملكة لم تكن “حارساً للأجواء” لصالح أحد، بل كانت تخوض معركة حقيقية لحماية مدنها ومواطنيها من قصف صريح. إن حماية السماء هنا لم تكن خياراً سياسياً، بل كانت ضرورة وجودية؛ فالأردن رفض وبقوة أن يكون “ساحة مستباحة” تتبادل فيها القوى الإقليمية النيران على حساب دماء أبنائه وأمن استقراره.

انقسام الرواية في الشارع الاردني
ومع ذلك، فإن مناورات الدولة الاستراتيجية لا تُقرأ دائماً بشكل موحد في الشارع. في الأردن، تُرشح ردود الفعل الشعبية عبر عدسات أيديولوجية عميقة الجذور؛ فجزء من الجمهور، المتأثر بخطاب الإسلام السياسي وحضور حركة حماس في الوعي الاجتماعي الأردني، رأى في الضربة الإيرانية فعل مقاومة، ورغم التباين العقائدي والمذهبي الشاسع مع طهران، فقد نظروا إليها كقوة تواجه إسرائيل أخيراً. في هذا المناخ، يصبح أي فعل تقني للدفاع عن النفس —مثل اعتراض مسيّرة كانت تستهدف الأراضي الأردنية— عرضة لسوء التفسير من البعض كفعل اصطفاف سياسي، مما يخلق تحدياً داخلياً في إدارة الرواية الوطنية.

في المقابل، برزت رواية متناقضة من بعض الأوساط اليسارية والمناهضة للإمبريالية، فباسم معاداة أمريكا، وجد البعض أنفسهم يبررون لنظام ديني محافظ في طهران يقف في تضاد مباشر مع قيمهم المعلنة. هذا ما يمكن تسميته بالمراهقة السياسية؛ وهي نوع من الاختزال الجيوسياسي الذي يتجاهل تعقيدات البقاء الوطني وحق الدولة في الدفاع عن نفسها ضد استهداف مباشر، لصالح ثنائية مبسطة تقوم على مبدأ “عدو عدوي صديقي”.

بين هذه الأصوات المستقطبة، تقف أغلبية واقعية صامتة. بالنسبة لهؤلاء، فإن دعم القضية الفلسطينية واجب أخلاقي ومبدئي لا يتزحزح، لكنه لا يعني بالضرورة القبول بتحويل بلدهم إلى ساحة حرب أو قبول استهداف أراضيهم مباشرة. ينطلق هؤلاء من سؤال بسيط: ما الذي يخدم أمن الأردن؟ إنهم يدركون أنه في منطقة تنهار فيها الدول، يبقى الحفاظ على تماسك الدولة الأردنية هو الأولوية القصوى. ورغم هذا التوتر، استمر إيقاع الحياة الذي يزداد كثافة بشهر رمضان؛ العائلات اجتمعت للإفطار، والأسواق بقيت مفتوحة، في صمود وُلد من رحم الضرورة؛ فالاقتصاد الأردني هش لدرجة لا تسمح بتحمل شلل التوتر المستمر.

فلسطين كغطاء لمشاريع النفوذ
لفهم هذه اللحظة، يجب النظر إلى ما وراء الصواريخ نفسها؛ فمنذ عقود تعمل إيران على توسيع نفوذها عبر ما يسمى “محور المقاومة”. وبينما يتم تسويق هذا المشروع كحركة تحرر من أجل فلسطين، تراه دول إقليمية عديدة كستار لمشروع هيمنة توسعي قاده “الحرس الثوري الإيراني”، الذي لم يورث المنطقة سوى الدمار والتمزيق. فباسم فلسطين والقدس، تم تقويض سيادة دول عربية بأكملها كالعراق وسوريا ولبنان واليمن، وتحولت هذه الأوطان إلى ساحات للصراعات المفتوحة والانهيارات المؤسسية والحروب الأهلية. هذا المشروع يجر الدول الصغيرة إلى مواجهات كارثية لا تخدم القضية الفلسطينية بقدر ما تخدم طموحات النفوذ الإقليمي لطهران على حساب استقرار الشعوب العربية. يقع الأردن اليوم في قلب لوحة الشطرنج هذه، عالقاً في تقاطع المصالح المتصارعة، وفي مثل هذا الموقع، لا تتعلق السياسة بالشعارات العاطفية التي أحرقت عواصم عربية أخرى، بل بالفن الدقيق لإدارة المخاطر وبقاء الدولة الأردنية واقفة ومنيعة أمام هذا المد التدميري.

ما بعد الصواريخ، السيادة كفعل صمود.
خلال تلك الليالي، لم تمر الصواريخ وحدها فوق الأردن، بل مرت معها حقيقة جديدة: أن الحروب الحديثة لم تعد تحترم الحدود ولا تكتفي بالعبور. إن اعتراض 60 صاروخاً كانت تستهدف العمق الأردني هو رسالة حاسمة لكل من يعتقد أن “الدول الصغيرة” يمكن استباحتها في لعبة العمالقة. ربما لم يغير هذا التصعيد ميزان القوى الإقليمي، لكنه أعاد تعريف السيادة الأردنية؛ فهي ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل هي قدرة عسكرية وإرادة سياسية منعت تحويل الأردن إلى “ضرر جانبي” أو ساحة حرب بالوكالة. يبقى التحدي الأسمى للأردن هو الحفاظ على هذا الصمود، ليثبت للعالم أنه حتى عندما تمر الحروب “نحوه” أو “فوقه”، فإنه يمتلك اليد القادرة على إبقائه سيداً في مجاله الجوي والسياسي.

أسامة عيسى

Related Articles

en_USEnglish