Our Space

كلفة الإقصاء على الاقتصاد 16% خارج الحسابات

لم تعد الإعاقة في 2026 ملفاً اجتماعياً يُدار بمنطق الرعاية والصدقات، ولا موضوعاً “حقوقياً” معزولاً عن الاقتصاد. ما يحدث اليوم هو انتقال الإعاقة من هامش السياسات إلى قلبها، لأنها ببساطة تكشف جودة تصميم الدولة والسوق والتكنولوجيا: من الذي يُؤخذ بالحسبان حين تُبنى مدينة، أو تُصمَّم خدمة حكومية، أو تُكتب خوارزمية توظيف، أو تُطلق منصة مصرفية؟

الفكرة الأكثر حسماً هنا أن الإعاقة ليست “نقصاً” في الشخص، بل نتيجة حواجز في البيئة. السلم بلا منحدر، الموقع بلا قارئ شاشة، النقل بلا إشارات مسموعة، القوانين بلا آليات إنفاذ… هذه كلها تصنع الإعاقة أكثر مما يصنعها جسد الفرد. هذا التحول في الفهم هو الذي نقل الملف من نطاق الخدمات إلى نطاق الحوكمة والتنمية والعدالة.

من “الرعاية” إلى “الحق”: كيف تغيّر تعريف الإعاقة؟

لوقت طويل سيطر النموذج الطبي الذي يرى الإعاقة مشكلة داخل الجسد ينبغي علاجها أو “التكيّف” معها. لكن منذ تصاعد الحركات الحقوقية، ثم تثبيت اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة كمرجعية دولية، صار التعريف السياسي أقوى: المجتمع هو الذي يعطّل الإنسان عبر الحواجز، وبالتالي واجب المجتمع إزالة الحواجز لا إعادة تشكيل الأشخاص.

في 2025–2026 ظهرت موجة ثانية أكثر نضجاً: نقدٌ لا ينسف النموذج الاجتماعي، بل يمنعه من أن يتحول إلى شعار. ظهرت دعوات لدمج البعد الصحي والنفسي (لأن الألم والمعاناة واقع لا يُمحى بالنقاش الحقوقي)، وفي الوقت نفسه برزت مقاربات “الجنوب العالمي” التي تربط الإعاقة بالحروب والفقر والبنى التحتية المنهارة، وتوسّع الحديث من “حقوق” إلى “عدالة إعاقية” تشمل توزيع الموارد والتمكين الاقتصادي والتمثيل السياسي.

الأرقام: أكبر أقلية… وأسرعها تمدداً

في العقد الأخير استقر تقدير الانتشار العالمي حول 16% من البشر، أي نحو 1.3 مليار إنسان. هذه ليست كتلة ثابتة، بل “عضوية مفتوحة”: الشيخوخة، الأمراض المزمنة، الحوادث، الصراعات والكوارث، كلها توسّع القاعدة عاماً بعد عام.

ثلاثة محركات تفسّر الصعود المتواصل. أولاً، شيخوخة عالمية تجعل الإعاقة أكثر شيوعاً كلما تقدّم العمر. ثانياً، تفشي الأمراض غير السارية مثل السكري وأمراض القلب والسمنة وما يرتبط بها من مضاعفات. ثالثاً، الأزمات البيئية والصراعات التي ترفع الإصابات والإعاقات، وتزيد هشاشة من لديهم إعاقات أصلاً بسبب غياب خطط طوارئ شاملة وأنظمة إنذار متاحة للجميع.

هنا تظهر الحقيقة الصلبة: هذا المقال ليس “شريحة”، بل واقع ديموغرافي جديد يجب أن تُبنى عليه الأنظمة.

دائرة الفقر–الإعاقة: خسارة اقتصادية لا يتحدث عنها أحد

الإعاقة والفقر يصنعان بعضهما. الفقر يزيد احتمالات الإعاقة عبر بيئات عمل غير آمنة، ورعاية صحية ضعيفة، وسوء تغذية، وسكن غير لائق. والإعاقة ترفع احتمالات الفقر عبر الحواجز التعليمية والوظيفية والخدمية، وعبر التكاليف الإضافية التي تتحملها الأسر.

التقديرات التي تربط الاستبعاد بالخسارة الاقتصادية شديدة الدلالة: في دول منخفضة ومتوسطة الدخل قد تصل تكلفة إقصاء الأشخاص ذوي الإعاقة من سوق العمل إلى 3%–7% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الرقم يضع الشمولية في خانة “الاستثمار المنتج” لا “الإنفاق الاجتماعي”. بمعنى أبسط: المشكلة ليست أن الإدماج مكلف، المشكلة أن الإقصاء أغلى بكثير.

سوق العمل والتعليم: الفجوات التي تعيد إنتاج الإقصاء

في العمل تظهر الفجوة بوضوح في الأجور والفرص. تتراوح فجوة الأجور عالمياً بين 12% و26%، مع مؤشرات أن جزءاً كبيراً منها لا يُفسَّر بفروق المؤهلات وحدها، ما يضع التمييز وعدم تهيئة بيئات العمل في قلب المشكلة. وفي كثير من السياقات لا ينهار الحلم الوظيفي بسبب “غياب القدرة”، بل بسبب غياب الترتيبات التيسيرية الأساسية: مرونة في ساعات العمل، تقنيات مساعدة، بيئة رقمية متاحة، وقيادة تعرف كيف تدير تنوعاً حقيقياً.

أما التعليم فهو المصنع الأكبر للفجوة المستقبلية. ما يزال 240 مليون طفل ذو إعاقة خارج منظومة التعليم أو داخل تعليم غير جيد وغير دامج، خصوصاً في المناطق الريفية ومناطق النزاع. هذا يعني عملياً خسارة رأس مال بشري كامل قبل أن يصل إلى سوق العمل أصلاً، وإعادة إنتاج الفقر جيلاً بعد جيل.

من الالتزام إلى الإلزام: عندما تتحول الشمولية إلى “قواعد سوق”

أحد التحولات السياسية–التشريعية الأبرز هو انتقال الشمولية من توصيات أخلاقية إلى التزامات قانونية قابلة للإنفاذ. المثال الأكثر وضوحاً هو قانون إمكانية الوصول الأوروبي الذي دخل حيز التنفيذ الإلزامي الكامل في منتصف 2025، واضعاً معايير صارمة للتجارة الإلكترونية والبنوك والخدمات الرقمية، مع منطق عقابي واضح، وحتى تأثير عابر للحدود عبر الشركات الأجنبية التي تبيع داخل الاتحاد الأوروبي.

هذه النقلة تُغيّر سلوك الشركات جذرياً: الوصول لم يعد “ميزة”، بل شرط دخول للسوق. وهذا هو الطريق الأسرع عادة لانتقال الفكرة من ورق السياسات إلى ممارسات التصميم والإنتاج.

قمة الإعاقة 2025: “15% من أجل الـ15%”… وامتحان التنفيذ

على المستوى الدولي شكّلت القمة العالمية للإعاقة 2025 (ألمانيا والأردن) لحظة سياسية صريحة: إعلان عمان–برلين طرح التزاماً بعنوان “15% من أجل الـ15%” عبر تخصيص 15% من تمويل مشاريع التنمية لضمان الشمول، وترافق ذلك مع أكثر من 800 التزام من حكومات ومنظمات دولية وقطاع خاص.

لكن المفارقة أن لحظة الالتزام نفسها كشفت حجم الفجوة التنفيذية. التقارير التي نوقشت في سياق القمة تقول إن الزخم يتزايد، لكن التقدم ما يزال غير متكافئ، وأن الفجوة بين التشريعات والتطبيق واسعة، خصوصاً في دول الجنوب العالمي حيث الموارد أضعف، والحوكمة أكثر تعقيداً، والاحتياجات أكبر.

التكنولوجيا: تمكين غير مسبوق… وتحايز خوارزمي واسع

التكنولوجيا في هذا الملف ليست “أداة مساعدة” فقط؛ هي بنية حياة. أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وقارئات الشاشة، والتعرف على الصور، والمساعدات الصوتية، أعادت تعريف الاستقلالية اليومية لملايين الأشخاص.

لكن الوجه الآخر خطير: “التحيز الخوارزمي”. أنظمة التوظيف الآلي قد تستبعد المرشحين تلقائياً بسبب فجوات في السيرة الذاتية مرتبطة بالعلاج أو الإعاقة. أنظمة تحليل الصوت أو تعابير الوجه قد تفسّر أنماطاً مرتبطة بالتوحد أو آثار الجلطات كـ“قلة انتباه” أو “عدم صدق”. وعندما يصبح هذا التحيز جزءاً من أدوات الشركات والدول، تتحول التمييزات الفردية إلى تمييز واسع النطاق يمر بهدوء تحت عنوان “القرار الآلي”.

لهذا يتقدم مفهوم “الوصول الرقمي” من كونه ترفاً تقنياً إلى كونه شرطاً للعدالة في عصر تُدار فيه الخدمات والوظائف والخطوط الساخنة وحتى شكاوى المواطنين عبر واجهات رقمية.

المناخ: الغائب الأكبر عن خطط الطوارئ

إذا كان القرن الحالي قرن الأزمات المناخية، فإن الأشخاص ذوي الإعاقة غالباً هم الأكثر تعرضاً للخطر بسبب فجوات الإخلاء والإنذار والخدمات الطارئة. المؤشر الأكثر إثارة للقلق أن 72% من الخطط المناخية الوطنية للدول الموقعة على اتفاقية باريس لا تذكر الإعاقة مطلقاً.

هذا ليس تفصيلاً لغوياً. حين لا تُذكر الإعاقة في الخطط، فهذا يعني عملياً أن الإنقاذ والتعافي يُصمَّمان وكأن ملايين البشر غير موجودين. وهذا يفتح سؤالاً سياسياً جديداً: هل يمكن الحديث عن عدالة مناخية دون شمول فعلي للفئات الأكثر هشاشة؟

المنطقة العربية: أمثلة على التحول عندما يصبح الشمول “أولوية دولة”

التجارب الإقليمية تُظهر أن الشمول يتقدم أسرع حين يُربط بالتحول الاقتصادي والحوكمة لا بخطاب الرعاية.

في السعودية يظهر تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة ضمن رؤية 2030 عبر مأسسة الملف، وتوحيد السجل الوطني، وبرامج لتحفيز القطاع الخاص على التوظيف وتوفير بيئات عمل مساندة. وتبرز مشاريع “المدن المستقبلية” كاختبار لفكرة تصميم بنية تحتية خالية من الحواجز من نقطة الصفر.

في قطر يبرز الاستثمار في النفاذ الرقمي عبر مركز “مدى” الذي يدفع معايير نفاذية المواقع الحكومية ويحفّز الابتكار في التكنولوجيا المساعدة، مع اهتمام خاص باللغة العربية التي تعاني نقصاً تاريخياً في المحتوى والحلول التقنية.

وفي الأردن يبرز الدور الدولي باستضافة قمة الإعاقة 2025، وبالداخل عبر المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وجهود تطبيق قانون 2017 والتحول نحو التعليم الدامج والاستراتيجية الوطنية للدمج.

ما المطلوب الآن؟ من “المبادئ” إلى “خريطة تنفيذ”

إذا أردنا تلخيص الدرس الأكثر عملية: الشمولية لا تُقاس بعدد الحملات ولا بجمال الخطاب، بل بثلاثة مؤشرات تنفيذية.

أولاً، ميزانية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، لأن ما لا يُموَّل لا يحدث. ثانياً، إنفاذ قانوني وقياس امتثال (خصوصاً في الخدمات الرقمية والنقل والمباني). ثالثاً، إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في التصميم والقرار، ليس كرمز، بل كخبرة حيّة تمنع أخطاء التصميم قبل أن تتحول إلى كلفة اجتماعية واقتصادية.

في النهاية، الإعاقة ليست “ملفاً خاصاً”. إنها معيار جودة للمجتمع كله. حين تُصمم الأنظمة لتكون متاحة، فأنت لا تخدم “أقلية”، بل تبني دولة وسوقاً يصلحان لعصر الشيخوخة والأزمات والرقمنة الشاملة. وهذه هي النقطة التي تجعل الإعاقة ضرورة اقتصادية وقوة سياسية، لا هامشاً يمكن تأجيله.

أحمد منينة


يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا

Related Articles

en_USEnglish