شلال ملفات أبستين يبتلع كل شيء حتى العدالة
السؤال الأثقل هو: إذا كانت كل هذه الملفات خرجت إلى الضوء… فلماذا ما زالت العدالة تبدو، حتى اليوم، كأنها وصلت متأخرة جداً—وبنصف خطوة فقط؟

جزيرة الفضائح التي ابتلعت نخبة العالم
تحقيق سردي استقصائي في “ملفات أبستين”
هناك لحظة محددة على حافة البحر، قبل أن ينزل الليل تماماً، يصير فيها كل شيء قابلاً للالتباس. لون الماء يتبدّل، والهواء يبرد ببطء، والجزيرة—من بعيد—تبدو مثل بقعة خضراء بريئة، لا أكثر. لكن حين تقترب من “ليتل سانت جيمس” في جزر العذراء الأميركية، تتغيّر اللغة. لا شيء هنا “عادي”: المرسى الصغير الذي يستقبل القادمين بهدوءٍ مدروس، الطرق الترابية التي تتلوى بين الأشجار، البيوت التي تبدو كأنها مبنية لتختفي لا لتظهر، وحتى الصمت… كأنّه جزء من الحراسة.
هذه ليست مقدّمة سياحية. هذه هي “الجزيرة” التي ابتلعت سمعة رجالٍ من الصف الأول في السياسة والمال، ثم لفظت القصة على شكل ملفات، ومحاضر، وصور، ومقاطع مصوّرة، وشهادات نساء كنّ أصغر بكثير من أن يفهمن ما يُدار حولهن، وأكبر بكثير من أن ينسين.
في 30 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت وزارة العدل الأميركية أنها نشرت “قرابة 3.5 مليون صفحة” ضمن التزامها بقانون “Epstein Files Transparency Act” الذي وُقّع في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. ضمن هذه الدفعة وحدها، تحدثت الوزارة عن أكثر من 3 ملايين صفحة إضافية، وأكثر من 2000 فيديو، و180 ألف صورة. هكذا، وبقرار سياسي وقانوني، تحوّل السرّ إلى سيول من الورق والملفات الرقمية. لكن السؤال الذي بقي يطفو فوق كل ذلك لم يكن: ماذا في الملفات؟ بل: لماذا وصلت العدالة إلى هذه النقطة المتأخرة أصلاً؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) جيفري أبستين: الرجل اللغز الذي عاش “بالقرب من الضوء” دون أن يحترق
في السجلات الرسمية، يوصف أبستين بأنه “مموّل ثري”. وفي ذاكرة الناجيات، يوصف بلغة أبرد: “الرجل الذي كان يملك كل شيء… إلا الرادع”.
في 9 يوليو/تموز 2019، أعلن الادعاء الفيدرالي في نيويورك (SDNY) أن أبستين اعتُقل ووجهت له تهم الاتجار الجنسي بقاصرات والتآمر على الاتجار الجنسي. لائحة الاتهام تحدثت عن فترة تمتد بين 2002 و2005، وعن “عشرات” الفتيات القاصرات اللواتي تم استدراجهن مقابل المال، وعن شبكة موظفين/مساعدين لضمان “تدفق” الضحايا، بل حتى دفع المال لبعض الضحايا لتجنيد أخريات. هذا ليس وصفاً صحفياً؛ هذا هو توصيف القضاء.
لكن القصة كانت أقدم من 2019. في 2007–2008، حصل أبستين على اتفاق “عدم ملاحقة” (Non‑Prosecution Agreement) في فلوريدا، وهو الاتفاق الذي صار لاحقاً مثالاً مدرسياً على كيف يمكن للنفوذ والصفقات أن يلتفّا حول جوهر المساءلة. تحقيق مكتب المسؤولية المهنية في وزارة العدل الأميركية ناقش لاحقاً طريقة إبرام ذلك الاتفاق وما رافقه من إشكالات.
ثم جاءت الليلة التي كسرت خط العدالة: في 10 أغسطس/آب 2019، عُثر على أبستين ميتاً في زنزانته في سجن مانهاتن الفيدرالي. القرار الطبي الرسمي قال: انتحار. لكن سلسلة الإخفاقات الإدارية التي كُشف عنها لاحقاً، والارتباك داخل السجن، جعلت موته لا يضع نقطة النهاية، بل يفتح باباً للشك الشعبي لن يُغلق بسهولة.
مات الرجل الذي كان يفترض أن يتكلم. وبموته، انتقلت القصة من “محاكمة محتملة” إلى “أرشيف هائل”. وكأن الدولة قالت للجمهور: خذوا الملفات… لكن لا تتوقعوا نهاية درامية عادلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2) “قائمة العار”: حين تتحول الصداقة إلى شبهة، والاسم إلى عبء
هنا يجب أن نكون منضبطين: ذكر اسم شخص داخل ملفات تحقيق لا يعني تلقائياً تورطه الجنائي. الأسماء قد تظهر في مراسلات، أو سجلات سفر، أو شهادات متضاربة، أو سياقات لا ترقى إلى دليل. ومع ذلك، حين تكون الأسماء ثقيلة، فإن مجرد “القرب” يصبح مادة سياسية وأخلاقية—حتى لو لم يصمد قضائياً.
أ) بيل كلينتون: سمعة تعيش على حافة الفضائح
ارتبط اسم الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون مراراً بسرديات حول علاقته بأبستين، خصوصاً عبر الحديث عن رحلات جوية وسجلات سفر. المشكلة هنا ليست فقط: “هل ارتكب جريمة؟” لأن ذلك لم يُثبت قضائياً. المشكلة الأعمق: كيف يمكن لرئيس سابق أن يسمح لنفسه بأن يكون جزءاً من دائرة رجل سيصبح لاحقاً أحد أشهر المتهمين بالاتجار الجنسي بالقاصرات في العصر الحديث؟ في السياسة، أحياناً يكفي سؤال واحد ليفعل فعل الإدانة الرمزية.
ب) دونالد ترامب: تناقضات القرب والإنكار
اسم ترامب يعود في الوثائق بطرق متعددة. وكالة رويترز نقلت عن دفعة وثائق أُفرج عنها في 23 ديسمبر/كانون الأول 2025 أن رسالة بريد إلكتروني من مدّعٍ أشارت إلى أن ترامب طار على طائرة أبستين الخاصة “ثماني مرات على الأقل” في التسعينيات—وهو رقم أكبر مما كان متداولاً سابقاً—مع تأكيد رويترز أيضاً أن الوثائق نفسها لم تقدّم دليلاً على تورطه في جريمة. هنا تتكوّن المعضلة: الجمهور يسمع “ثماني مرات”، والسياسة تسمع “قرب”، بينما القانون يطلب “دليل”.
ولأن ترامب شخصية سياسية استقطابية، يتحول الملف إلى سلاحين متعاكسين: خصومه يرونه دليلاً على نفاق الخطاب، وأنصاره يرونه مجرد “تسجيل علاقات اجتماعية” بلا إدانة. وفي منتصف الضجيج، تضيع الناجيات—كأن القصة صارت عن الرجال أكثر مما صارت عن الضحايا.
ج) الأمير أندرو: حين يصل الحرج إلى بوابة القصر
قصة الأمير أندرو ليست مجرد ذكر اسم. هناك اتهام مدني صريح قدمته فيرجينيا جوفري، قالت فيه إنها تعرّضت للاستغلال وهي في سن 17. الأمير أنكر. وفي 15 فبراير/شباط 2022، أعلن الطرفان تسوية مدنية خارج المحكمة. لم يكن ذلك حكماً بالإدانة ولا شهادة بالبراءة، لكنه كان اعترافاً سياسياً بأن “الصورة” تضررت بما يكفي لتدفع المؤسسة ثمن الصمت.
وفي دفعة وثائق يناير/كانون الثاني 2026، عاد الجدل في بريطانيا بقوة، مع مطالبات سياسية متجددة بأن يتعاون الأمير مع التحقيقات الأميركية. هنا لا يعود الأمر شأناً شخصياً: إنه سؤال دولة عن حدود الحماية، وحدود السمعة، وحدود “الاستثناء”.
د) أسماء أخرى: المال، التكنولوجيا، والنخب التي لا تحب الأسئلة
الملفات المنشورة في 2026 أعادت ذكر تواصل أو حضور أسماء أخرى ضمن سجلات ومراسلات: مثل بيل غيتس وإيلون ماسك وستيف بانون وغيرهم، وفق تقارير صحفية أميركية وبريطانية. لا اتهامات جنائية مُثبتة بحق هؤلاء لمجرد ورود الأسماء، لكن الرسالة العامة قاسية: أبستين لم يكن يعيش في الهامش، بل كان يتحرك في قلب النخبة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
3) غيلين ماكسويل والنساء: الشريكة التي لم تكن “تفصيلاً”
إذا كان أبستين هو الوجه، فإن ماكسويل كانت—بحسب ما ثبت قضائياً—جزءاً من الآلية. في 28 يونيو/حزيران 2022، أعلن الادعاء الفيدرالي في نيويورك أن غيلين ماكسويل حُكم عليها بالسجن 20 عاماً لدورها في التآمر مع أبستين على استغلال فتيات قاصرات والاعتداء عليهن جنسياً.
هذه الإدانة تُعيد ترتيب القصة: ليست “خطيئة رجل واحد”، بل شبكة تشغيل. الاستغلال لم يكن يحدث بالصدفة، بل كان يحتاج إلى تهيئة، واصطياد، وإقناع، وإدارة علاقات مع ضحايا غالباً ما كنّ يبحثن عن عمل أو مساعدة أو “فرصة”. وفي كل مرة يُسأل فيها: كيف استمر هذا سنوات؟ تكون الإجابة غالباً: لأن هناك من جعل الاستمرار ممكناً.
النساء في هذه القضية ليسوا “شهوداً” فقط؛ هنّ قلب الحكاية. لكن المفارقة المؤلمة أن كل موجة “نشر ملفات” تعيد تعريضهن للأذى: في 2026، تحدثت تقارير عن أخطاء في الحجب (redaction failures) أدت إلى كشف أسماء أو تفاصيل حساسة، ما دفع ناجيات ومناصريهن لاتهام السلطات بأنها تعيد إنتاج الضرر باسم الشفافية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4) التبعات القانونية والسياسية: لماذا لا تكفي الملفات لإغلاق القصة؟
من الناحية القانونية، قد يقول أحدهم: انتهى الملف. أبستين مات، ماكسويل في السجن، والقضاء أغلق أهم باب جنائي. لكن السياسة لا تغلق ملفاتها بسهولة، خصوصاً حين تتورط فيها سمعة الدولة.
أولاً: قانون الشفافية نفسه اعتراف سياسي بضغط الجمهور
إقرار “Epstein Files Transparency Act” وتحويله إلى قانون في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 كان اعترافاً بأن السلطة لم تعد قادرة على حماية الأرشيف من أعين الناس. القانون يلزم وزارة العدل بالإفراج عن السجلات والوثائق المتعلقة بأبستين.
ثانياً: الدولة تقول “لا دليل جديد”… والجمهور يقول “هذا ليس كافياً”
في فبراير/شباط 2026، صرّح نائب المدعي العام الأميركي تود بلانش أن مراجعة وزارة العدل للمواد لا تفتح باب اتهامات جنائية جديدة، رغم وجود “صور مروعة” ومراسلات مثيرة للقلق. هذا الموقف—حتى لو كان صحيحاً قانونياً—يصطدم بحقيقة نفسية: الجمهور لا يطلب فقط “إدانة قضائية”، بل يطلب معنى. يطلب أن يفهم لماذا كان أبستين قريباً من هذا العدد من النافذين. يطلب تفسيراً لشبكة العلاقات التي سمحت بالاستغلال، ثم سمحت بإخفائه طويلاً.
ثالثاً: السياسة العالمية ترتجف لأن القضية عابرة للحدود
الأسماء ليست أميركية فقط، والضرر ليس محلياً فقط. كل دولة يظهر اسم أحد رجالها في هذه القصة تدخل في عملية احتواء: استقالات، تحقيقات برلمانية، بيانات نفي، أو صمت مدروس. ولهذا صارت القضية “نموذجاً” لطريقة عمل النخب العابرة للحدود: علاقات مغلقة، طائرات خاصة، جزر بعيدة، وموارد كافية لشراء الوقت.
رابعاً: العدالة لا تُقاس فقط بالأحكام، بل أيضاً بمن نجا من المحاكمة
أخطر ما في ملف أبستين ليس ما كُشف… بل ما لم يُحاكم. موت أبستين قطع الطريق على أسئلة كان يمكن أن تُطرح تحت القسم. وأي ملف يُنشر بعد ذلك يصبح، بطريقة ما، تعويضاً ناقصاً: الجمهور يحصل على وثائق، لكنه لا يحصل على اعتراف، ولا يحصل على مواجهة قضائية كاملة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هل انتهت القصة… أم بدأ الفصل الحقيقي؟
في النهاية، يمكن للجزيرة أن تبدو “جميلة” في الصور الجوية، ويمكن للأرشيف أن يبدو “مكتملًا” في بيانات وزارة العدل، ويمكن للسياسيين أن يكرروا الجملة ذاتها: لا دليل على اتهامات جديدة.
لكن ماذا عن العدالة التي لا تُقاس بالبيانات؟
ماذا عن منظومةٍ سمحت لرجل أن يبني شبكة استغلال داخل قلب النخبة، ثم مات قبل أن يسمع العالم منه كلمة واحدة تحت القسم؟
وماذا عن الضحايا اللواتي شاهدن أسماء الكبار تُذكر وتُعاد تدويرها، بينما تبقى حياتهن هي التي تدفع الفاتورة؟
السؤال المفتوح الذي تتركه “جزيرة أبستين” خلفها ليس: من كان هناك؟
السؤال الأثقل هو: إذا كانت كل هذه الملفات خرجت إلى الضوء… فلماذا ما زالت العدالة تبدو، حتى اليوم، كأنها وصلت متأخرة جداً—وبنصف خطوة فقط؟
أحمد منينة
يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا



