Our Space

صرخة إنسانية من أجل تكنولوجيا تشبهنا.

في صمتِ الغرفِ التي نعمل فيها، وعلى مكاتبنا التي تضجُّ بالشاشات، نكتشفُ يوماً بعد يوم حقيقةً مُرة: نحن لم نعد نملك أدواتنا، بل أصبحنا أسرى في “نظامٍ” كان من المفترض أن يحررنا.

لقد وعدونا بعالمٍ مترابط، حيثُ تذوب المسافات بين أفكارنا وهواتفنا وحواسيبنا. قالوا لنا إن التكنولوجيا هي الجسر الذي سيعبر بنا إلى حريةٍ أكبر في الإنجاز. ولكن، ماذا بقي من “الإنسانية” في علاقتنا بهذه الآلات حين نجد أنفسنا، كصحفيين ومفكرين ومبدعين، نقضي ساعاتِ عمرنا في محاولة “إقناع” جهازٍ بالتحدث مع الآخر؟

إن الألم الحقيقي ليس في “عطلٍ تقني”، بل في ذلك الشعور بالاغتراب. عندما تريد أن تُكمل فكرةً بدأتَها على هاتفك لتجدها حبيسة هناك، أو حين تضطر لتفكيكِ جهدك الذهني لتعيد صياغته يدوياً في مكانٍ آخر، فإنك لا تُفقد وقتاً فقط؛ أنت تفقد “تدفق روحك” في العمل. إننا نستهلك طاقةً ذهنيةً هائلة في “التنسيق التقني” بدلاً من توجيهها نحو جوهر رسالتنا التي نؤمن بها.

هذه “السخافات” التي نراها ليست مجرد أخطاء برمجية؛ إنها تعبير عن فلسفةٍ تتعامل مع الإنسان كـ “عنصرٍ في قاعدة بيانات”، وليس ككائنٍ يحتاج إلى السلاسة ليُبدع. نحن نعيش في عالمٍ يمتلك القدرة على محاكاة الإبداع البشري، لكنه يعجز عن احترام “بساطة العيش”. إنهم يبيعوننا “ذكاءً” اصطناعيًا خارقاً، بينما يتركون حياتنا اليومية مقسمة إلى جزرٍ معزولة، لا يربط بينها سوى تعبنا ومحاولاتنا المستمرة للملمة أشتاتنا.

أين “الذكاء” في نظامٍ يجعلك تشعر أنك غريبٌ عن بياناتك؟ أين “التقدم” حين نصبح حراساً لنصوصنا وملفاتنا بدلاً من أن نكون صُنّاعاً لها؟ إننا نحتاج إلى تكنولوجيا تشبهنا؛ تكنولوجيا تحترم الوقت الذي نقضيه في التفكير، وتدرك أن أثمن ما نملكه هو “حضورنا الذهني” الذي يتبدد في كل مرة نضطر فيها لنسخٍ ولصقٍ وتأمينِ أبوابٍ لم يكن يجب أن تكون مغلقةً في وجهنا أصلاً.

نحن لا نطالب بالكمال، نحن نطالب بالتقدير. تقدير أن وقتنا محدود، وأن إبداعنا لا يحتمل هذه الحواجز التي وضعها من لا يدركون أن “الإنسان” هو القيمة الوحيدة التي لا يمكن تعويضها بخوارزمية.

حمودة مكاوي


يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا

Related Articles

en_USEnglish