Our Space

الاستعداد الفطري العصبي العضلي لإنتاج الفنّ

مايكل آنجلو لم يكن يرسم بساقيه...

مايكل آنجلو لم يكن يرسم بساقيه، لذلك فإنه لم يكن يحتاج إلى تمرين عضلاته سواء بالجري، أو على أقل تقدير بالهرولة في الحقول بين حبات السنابل والثعابين التي نشرها “سلفادور” في الفضاء العام. لكن ما يبقى ضروريا عند ذكر مايكل آنجلو، هو أن عضلات أصابعه؛ كانت تعرف كيف تدور على اللوحة، مرة يمين مرة شمال، مرة إصبع يراوغ إصبع، وأي محاولة للمس هذه الأصابع كانت تواجَه بالكهرباء، ففي كلّ الأحوال، أصابع أي فنان على وجه الأرض، هي أسلاك شائكة.
أصابع مايكل لم تكن قوية، كانت ذكية، تتمتّع بدماغ خاصّ فيها بين المفاصل، والذكاء العضلي –كما لن يخبرنا أي مدرّب لياقة– لم يُبنَ بالتكرار، بل بالشكّ.
قبل عدّة شهور، وقفت أثناء تضييع الوقت على إنستغرام، على “لوحة فارغة” بيضاء مثل الثلج. بعد عدة دقائق، تحوّلت اللوحة إلى حديقة، لقد تم استخدام شيء يُدعى “الرسم” لتحويل لوحة مفتوحة المصدر، إلى شيء سوف تدفع مقابله الفلوس لتعلّقه قرب سريرك.
على سيرة “البراويز”، حتى لو لم أتطرّق لها بشكل مباشِر، يقال حسب أحد العلوم، أن البرواز الفارغ، أثقل على الحائط من البرواز الذي في قلبه لوحة، الحائط لا يمانع أن يتمّ تحميله، وتمرير المسامير في ضلوعه، لكنه يقول -دون صوت على الأغلب- أنه يودّ فقط ما هو جميل.
ما معنى فطرة فنّية؟ أو موهبة؟ يتعدد الجواب، لكن الفنّ واحد. من ناحيتي، أحبّ تخيّل الأمر على هذا النحو، الموهوب، لا يملك جهاز عصبي عضلي عادي. يملك جهاز مختلف قليلا.
جهاز لا يتصرّف كطالب نجيب، ينتظر التعليمات والتدريب، بل ككائن حيّ عاش قبلك، ثم فقد ذاكرته في حادث سير، لكنه بدأ يستعيدها تدريجيا. لهذا فإن لحظة “النشوة” في خلق شيء فنّي، تشبه لحظة التذكّر. كأنّك تذكرتَ “اسما” سهرتَ لتتذكره. هنا، الفارق بسيط، جهازك العصبي العضلي هو مَن تذكّر شيء قديم. حين كان فنّان في العصور الوسطى. له لحم ودم. وشهرة متوسطة.
العصب في جسدنا، لا يبحث عن الصواب، يبحث عن الألفة. والعضلة لا تريد رأيك، بل تطلب منكَ في كثير من الأحيان أن تدعها تمرّر الفكرة التي في رأسها.
في الفنّ، في الرسم، في حالة تلك الفتاة، الخطّ ربما يخرج وحده. يستبق الأحداث. والتردد الصغير، أو رعشة الإصبع، ليست سوى محاولة تذكّر.
يُحكى في هامش غير مهم من تاريخ الطب، أن هناك جرّاح فرنسي أشقر في القرن التاسع عشر، أُصيب بإصابة عصبيّة أفقدته الإحساس الدقيق في أطراف أصابعه، وبطبيعة الحال، توقّف عن الجراحة.
بعد سنوات، وفي محاولة يائسة لاستعادة شيءٍ ما، بدأ يرسم.. رأى أنها أقرب طريقة لممارسة “الجراحة” دون سكاكين وسيوف. بالنسبة له، كان الورق أقلّ قسوة من الجسد المفتوح.
في البداية، كانت الخطوط مشوّهة، غاضبة، بلا معنى، مرتجفة كأنها قطّة خارجة من بركة ماء. ثم بدأت يده تستعيد حركات لم يتعلّمها، بدأت تقود الطريق وحدها، وتتحرّك بدون استئذان. الجرّاح تركها تفعل ذلك، وكان مهووسا باكتشاف أن ليده استخدامات أخرى، أقل -أو أكثر- أهمية من الجراحة.
انتقل من الأنسجة، إلى عظام اللوحة، ثم بدأ يضع فيها العضو تلو العضو، حتى امتلكتْ حياة كاملة، وصارت تمشي وحدها في الأسواق، كأنها نبيّ صغير، يدلّ الناس على الجرّاح.
ماذا عن الغيرة؟ عندما ترى فنان وتغار؟ هل هذا عيب أو حرام؟
الغيرة من الفنانين ليست مصيبة أخلاقية أو اجتماعية في جوهرها، بل استجابة عصبية معرفية هي -الغيرة- تحدث عندما يرى الدماغ ناتجًا نهائيًا لا يستطيع إعادة بناء مساره الداخلي، عندما يرى شيء لا يعرف: كيف حدث.
عندما تنظر إلى عمل فني قوي، مثل نهر يمرّ من تحت جسر صغير، يحاول دماغك أن يفهم: كيف وصل هذا الشخص إلى هنا؟ هل رسم بقلم رصاص أولا ثم.. ثم ستصل إلى طريق مسدود.
في معظم المهارات، يمكن تتبّع الطريق: تدريب، خطوات، تكرار، تحسين. لكن في الفنّ، يفشل الدماغ في محاكاة العملية، لأن جزءًا كبيرًا منها يحدث قبل الوعي، قبل آلاف السنين، حين كان الشجر يمتلك القدرة على المشي.
هذا الفشل في فهم الفنّ، يولّد توترًا معرفيًا، الدماغ لا يكره الفنان، بل يكره عجزه عن التخيل. لذلك أسهل طريق: أن يحبّه. الفنّان، وفنّه، وأقلامه، وأصابعه، إلخ.
من الناحية العصبية، الفنان الذي ينتج شيئًا “غير متخيَّل” يعمل بأنماط مختلفة قليلًا: لديه قدرة أعلى على الربط بين شبكات بعيدة في الدماغ، كما إنّه يسمح بمرور أفكار غير مكتملة دون قتلها بالتقييم المبكّر، يترك نفسه للخطأ.
المشاهد للفنّ، أو المتذوّق -حسب بعض الروايات- يرى النتيجة دون أن يشعر بالحركات الدقيقة، والقرارات الصغيرة، والتذبذب الذي سبقها، لذلك يفقد أعصابه، ولهذا يتم تفسير ظاهرة: الغضب من الفنان.
الغيرة من الفنانين، مؤلمة، لأن الفارق ليس في الذكاء العام ولا في الجهد، إنما في طريقة عمل الجهاز العصبي نفسه. لذلك، لا فائدة من الغيرة، لأنه في الوقت الذي تكون فيه تمارس غيرتك، ستكون قد ضيّعت على نفسك فرصة التدرّب في صالة الأثقال الحديدية.
الأصعب من الغيرة، هدم اللذة، ليس بالموت حبًا بالجمال، بل بمحاولة تفسيره، تخيّل أن تدفع ثمن تذكرة لحضور حفل موسيقي، ثم تبدأ بفهم الرابط العجيب بين أصابع العازف وخيوط الكمان، أو تخيّل أن يبنوا لكَ تمثالا في وسط الحيّ الذي تسكن فيه، وتأخذك الحيرة وأنت تحاول أن تفهم كيف نحتوك، بدلا من أن تستمتع، بالنسبة لي، هدم لذّة الفن، يشبه إلى حدّ بعيد الاغتيال، هناك فكرة مسلّحة، وصفاءك الذهني على وشك أن يتم الإيقاع به. الواقع يقول: اهرب. استمع. شاهِد. المس. لا تفكّر.
بعيدا عن العصب والفطرة والعضلة وأسلحة الدمار الشامل -باستثناء عضلة القلب- الوقوع في حبّ الفنانين، ليس لغزًا، بل استجابة عصبيّة عضليّة يمكن تفسيرها بسهولة شرب النصف الفارغ من كأس الماء.
العقل البشري ينجذب تلقائيًا إلى من يوسّع حدوده الإدراكية، وعندما نلتقي بفنان، نحن لا نُعجب بالشخص فقط، أو ربما لا نعجب بالشخص من الأساس، بل بالنظام العصبي الذي يعمل أمامنا، نراه ينتج شيئًا لم نكن نعلم أننا نحتاجه، ولم نكن نعرف كيف نصل إليه، فيُسجِّل الدماغ ذلك كقيمة عالية، ويرفع أسهم الشخص في بورصتنا العاطفيّة.
الفنان، من هذه الزاوية، ليس جذّابًا لأنه جميل أو مختلف، ربما لا يكون كذلك في كثير من الأحيان، بل هو جذّاب لأنه يسمح لنا أن نختبر العالم بنسخة أوسع قليلًا مما اعتدناه، كأنه تذكرة سفر مجانيّة نحو عالَم جديد يخلو من الفواتير والضرائب وصراخ الجيران.
علميًا، الدماغ يخلط بين الإعجاب المعرفي والانجذاب العاطفي عندما يكون الأثر قويًا، لذلك أول ما يسقط أمام الفنانين، ليس القلب، بل الدماغ، ثم يتبعه القلب، ثم العضلات، حيث سنجد أنفسنا بدون وعي ولا تفسير نسير وراء الفنان أينما أخذنا.
إن الفنان في نهاية المطاف هو الشخص الذي يجعلك ترى رسمة، فتكتب مقالا.

براء شلش

يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا

Related Articles

en_USEnglish