بين الجوع والسيادة: كيف تعمل الشعبوية تحت قبة البرلمان؟

في إحدى جلسات مجلس النواب، قال النائب العرموطي:
“ما بدي أحكي أرقام ولا موازنات… نموت من الجوع، ولا بدنا قواعد أمريكية بالأردن.”
جملة قصيرة، عاطفية، وقابلة للتداول السريع على مواقع التواصل الاجتماعي. لكنها في الوقت نفسه مثال واضح على خطاب شعبوي كثيف، يحمل أكثر من خطأ مفاهيمي وسياسي، ويختصر قضايا معقّدة في ثنائية أخلاقية حادّة: الجوع مقابل السيادة.
هذا المقال يحاول تفكيك هذه الجملة، لا من باب السجال الشخصي، بل لفهم كيف يعمل الخطاب الشعبوي داخل المؤسسات المنتخبة، ولماذا يبدو جذابًا رغم هشاشته التحليلية.
أولًا: عدم دقة المصطلح – حين تُصاغ السياسة بلغة ملتبسة
الحديث عن “قواعد أمريكية” في الأردن غير دقيق من الناحية القانونية والسياسية. الموجود هو قوات أمريكية تعمل ضمن اتفاقيات تعاون دفاعي مشترك، وليس قواعد عسكرية بالمعنى القانوني للكلمة.
لا توجد أرض أمريكية ذات سيادة منفصلة، ولا إدارة مستقلة، بل وجود عسكري مرتبط بمهام محددة وجداول زمنية، وتعمل فيه طواقم أمريكية إلى جانب القوات المسلحة الأردنية، وتحت السيادة الأردنية الكاملة.
هذا النمط من التعاون ليس استثناءً أردنيًا، ولا يقتصر على الولايات المتحدة، بل يشمل دولًا أخرى كفرنسا وألمانيا وغيرها.
تصوير هذا التعاون كاحتلال أو تهديد وجودي ليس تقييمًا موضوعيًا للمخاطر، بل مبالغة تُستخدم لتعبئة الخوف، في حين أن أي نقاش جاد يفترض التعامل مع الوقائع لا الشعارات.
ثانيًا: وهم “المعلومة الخطيرة” وصناعة الهلع
أحد أبرز ملامح الخطاب الشعبوي هو الإيحاء بامتلاك “سرّ خطير” لا يعرفه الآخرون.
كلمات مثل: قواعد، خطر، سيادة تُستخدم دون تعريف أو شرح أو أرقام. لا تفاصيل، لا سياق، فقط إثارة شعور بأن هناك مؤامرة كبرى، والمتحدث هو الوحيد الذي كشفها.
هذا الأسلوب لا يقدّم معرفة، بل يصنع هلعًا. إنه استبدال التحليل بالتخويف، وتحويل النقاش العام إلى حالة توتر دائم بلا مضمون.
ثالثًا: المقايضة الزائفة – الجوع مقابل الكرامة
حين يُطرح الخيار على الشكل التالي:
“نموت من الجوع، ولا نقبل بالقواعد”
فنحن أمام مقايضة زائفة تختزل الواقع في خيارين متناقضين:
- إما الخبز
- أو السيادة
لكن الحقيقة أن لا سيادة حقيقية مع الجوع، ولا كرامة وطنية في اقتصاد منهك.
كما أن هذا الطرح يتجاهل الواقع الاستراتيجي للأردن، الذي لا يعيش حالة انهيار وجودي تبرر هذه الثنائية الحادة، بل يواجه تحديات اقتصادية تحتاج إلى حلول علمية، لا شعارات أخلاقية مطلقة.
رابعًا: التهرب من المسؤولية البرلمانية
قول النائب: “ما بدي أحكي أرقام ولا موازنات”، في جلسة مخصصة لمناقشة الموازنة، ليس موقفًا احتجاجيًا، بل هروب من الدور الأساسي للنائب.
الناس انتخبت ممثليها لمناقشة الأرقام، ومراقبة السياسات الاقتصادية، ومحاسبة الحكومة.
عندما يُستبدل النقاش الاقتصادي بصناعة “عدو خارجي”، فنحن أمام تقنية شعبوية معروفة:
الهروب من المسؤولية الداخلية عبر نقل الصراع إلى الخارج.
خامسًا: تمجيد الفقر واحتكار الوطنية
أخطر ما في الخطاب هو تمجيد الجوع كفضيلة وطنية، وكأن الفقر شهادة إخلاص، وكأن من يطرح مقاربة مختلفة أقل وطنية أو أقل حبًا للبلد.
هنا تتحول الوطنية إلى ملكية حصرية، ويُختزل الانتماء في موقف عاطفي، لا في قدرة على تحسين حياة الناس.
الخلاصة: ما الذي يصنع السيادة فعلًا؟
السيادة لا تُبنى بتمجيد الجوع،
ولا تنهار بمجرد تعاون عسكري.
السيادة الحقيقية تُبنى عبر:
- اقتصاد قوي
- دخل محترم
- فرص عمل
- موازنات مدروسة
- مكافحة فساد حقيقية
- وتحالفات وتوازنات تحمي البلد فعليًا، لا خطابيًا
أما الشعبوية، فهي – كما يظهر في هذا المثال – أسلوب سياسي يقوم على تبسيط الواقع المعقّد، وتحويله إلى صراع أخلاقي بين “نحن” و“هم”، واستبدال النقاش القائم على الوقائع بسردية تهديد دائم، تُعفي صاحبها من المسؤولية.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
كم مرة نسمع هذا النوع من الخطاب تحت القبة؟
ومن هم النواب الذين يمارسون الشعبوية باسم الوطنية؟
للمزيد, شاهدوا الحلقة
https://youtu.be/LRbBZg7If3E



