Our Space

عن سوريا التي نراها في “الفيسبوك”

ابتعدتُ عن فضاءات التواصل الاجتماعي ما يقارب السنة بعد سقوط النظام، ثم عدت مؤخراً لأراقب ما يُنشر حول “الحالة السورية” عبر فيسبوك والمنصات الأخرى. كان ذلك الغياب صدفة نتيجة شعور متراكم بأن موجات الهستيريا التي اجتاحت الفضاء الرقمي لم يكن الانخراط فيها ذا أي جدوى. فالسجالات اليومية، والانفلات اللغوي، وتبادل الاتهامات لم يفاجئني، كان من الطبيعي أن تنتهي تلك الفترة الرومانسية القصيرة التي أعقبت الحدث الكبير، وأن يظهر الواقع الثقيل الذي خلّفه الأسد، بكل ندوبه وتشوهاته التي تراكمت عبر عقود.

ومع عودتي، وجدت ظاهرة جديدة لا يمكن تجاهلها: انتقال بعض الشخصيات الثقافية، التي لطالما وثقت بوعيها، إلى قراءة المشهد السوري من داخل الفقاعة الرقمية حصراً. أصبحت الخوارزميات وسيلة لتحديد رؤية سياسية كاملة بدلاً من اقتصارها على عرض المحتوى، مصمّمة لتغذية القناعات المسبقة والشخصنات وتضييق أفق التفكير. وقد لاحظتُ تراجعاً لافتاً في الحسّ النقدي لدى أفراد كانوا قبل سنوات يمتلكون أدوات تحليلية أكثر رصانة. وكأن المحتوى السريع التحريضي حلّ مكان التحليل المنطقي، فبات البعض يعيد تدوير ما تقدّمه له الخوارزمية دون أي تفكير، فيتحوّل تدريجياً إلى فرد يعيش في دائرةٍ لا يسمع فيها سوى صدى صوته.

ولا يمكن تجاهل أثر الذكاء الاصطناعي في هذا التحول. فالأدوات الرقمية اليوم فقدت حياديتها التي كانت في المرحلة الكلاسيكية لوسائل التواصل، وتحولت إلى أداة قادرة على تضخيم الاستقطاب، وصناعة فئات جديدة، ودفع الأفراد نحو مواقف حادّة. المشكلة أن هشاشة المجتمع السوري بعد سنوات الحرب جعلته أكثر عرضة لهذا النوع من التشكيل “الروبوتي” للوعي الجمعي، أفراد يتحولون إلى “جماعات” داخل المنصّات، وجماعات تتحول إلى سرديات مغلقة، والواقع يصبح بعيداً كل البعد.

في المقابل، الحياة داخل سوريا لا تشبه أبداً ما تعكسه تلك المنصات. فالمشهد اليومي هناك أقرب إلى فوضى الحياة الروتينية منه إلى الجنون الإلكتروني: خدمات متعثرة، انقطاع كهرباء، مصاعب حياتية، محاولات للبقاء، وفسحات أمل صغيرة وسط كل الفوضى. ليس لأن الواقع مطمئن، بل لأنه حقيقي، غير مصطنع، وغير مبني على خوارزميات تصنع الغضب لأجل التفاعل والربح.

ومن خلال متابعة صامتة لآراء متعددة من مختلف التوجهات، تكوّنت لدي قناعة بأن جذور ما نشهده اليوم تعود إلى قصور في التعامل مع ملفين أساسيين لا يمكن بناء أي مشروع وطني من دونهما:

أولاً: العدالة الانتقالية

لا يمكن لأي بلد خرج من حرب طويلة مثل سوريا أن يبدأ مرحلة جديدة دون عدالة انتقالية واضحة وممنهجة لجميع الأطراف التي تورطت في الدم السوري. هذا الملف، المفترض أن يكون البوابة الأولى نحو الاستقرار، يبدو اليوم أحد أبرز أسباب الانقسام. فغيابه ترك فراغاً كبيراً تتحرك داخله مشاعر الغبن والظلم، وتنتعش فيه روايات متضاربة تتنافس على ملكية المظلومية الأكثر “شرعية”.

حين سقط النظام، كان من المتوقع أن تبدأ عملية قانونية واضحة:
محاكمات شفافة، لجان تقصّي حقائق، توثيق قانوني للجرائم، حماية للناجين والمنكوبين، ورواية رسمية تُعيد الاعتبار للمفقودين والمعتقلين وأهاليهم. لكن بدلاً من ذلك، دخلت البلاد في مرحلة انتقالية بلا عملية منظمة للعدالة الانتقالية لتحقيق السلم الأهلي، وبلا هيئات مستقلة متخصصة تتعامل مع هذا الكم الهائل من الانتهاكات، من ملف المعتقلين، إلى ملف الاختفاء القسري والمقابر الجماعية، وصولاً إلى المجازر التي حصلت من جميع الجهات.

النتيجة كانت حالة قلق جماعي، وغياب ثقة، وتفسيرات متناقضة لمفهوم العدالة في هذه المرحلة الانتقالية. فالضحايا ما زالوا ينتظرون إجابات لم تأتِ، والعائلات تعيش في دوائر الانتظار القاتلة: هل مات أبناؤهم؟ أين دُفنوا؟ من المسؤول؟ وهل سيتكرر ما حدث؟

العدالة الانتقالية ليست رفاهية قانونية، بل أساس وجودي في الحالة السورية اليوم. فلا سلم أهلي بلا محاسبة، ولا استقرار بلا كشف حقائق، ولا دولة مواطنة بلا اعتراف رسمي بما حدث. غياب هذا الملف يدفع الناس للبحث عن “عدالة بديلة”: عدالة الشارع، عدالة الطائفة، عدالة الانتقام، أو عدالة المنصّات التي تُصنَع على مقاس الغضب الجمعي.

ثانياً: غياب الهوية الوطنية الجامعة

السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: ما الذي يجمع السوريين؟

الإجابة المؤلمة أنّه لا توجد هوية وطنية جامعة تحضن السوريين بمختلف طوائفهم ومناطقهم. الموجود هو مجموعة من الهويات الصغيرة الطائفية والمناطقية، كلٌّ منها يطالب بأحقية التمثيل، بينما يتراجع الوطن المشترك إلى الخلف.

هذا الانهيار في البنية الوطنية ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج عقود من سياسات الأسد التي فكّكت المجتمع، وحوّلت الانتماء الوطني إلى حالة شبه معدومة، أو إلى شعارات فارغة مرتبطة بالسلطة، لا بالناس.

سياسة “فرّق تسد” أصبحت أسلوب حياة، وكل طرف بات يرى سوريا من زاويته الخاصة، وطائفته الخاصة، وذاكرته الخاصة. غياب الهوية الوطنية الجامعة جعل السوري يقرأ الوطن من داخل قوقعته، لا من منظور المصلحة العامة. ولذلك نرى أن معظم السجالات اليوم لا تدور حول برامج أو حلول سياسية، بل حول سؤال واحد متكرر: “من هو السوري؟” و“من يملك حق تمثيل سوريا؟”.

الهوية الوطنية التي نحتاجها اليوم ليست هوية إقصائية أو صلبة، بل هوية وطنية مدنية، تقوم على المواطنة، وعلى فكرة أن سوريا دولة لجميع السوريين، وأن مصلحة الوطن تعلو فوق مصلحة الطوائف والجماعات. من دون هذه الهوية، لا يمكن تأسيس عقد اجتماعي، ولا بناء مشروع سياسي، ولا منع الانزلاق نحو دورات متكررة من العنف.

تبدو سوريا اليوم وكأنها تقف على حافة هاوية، ومن يتحدث باسمها يحتاج إلى قدر عالٍ من الثبات كي لا ينزلق معها إلى منحدر لا عودة منه. المرحلة لا تحتمل مزاودات ولا خطابات عالية النبرة، بل تحتاج إلى وعي هادئ، وإلى شجاعة الاعتراف بأن البلاد لا يمكن أن تُبنى فوق ركام الجراح من دون عدالة واضحة وهوية وطنية جامعة.

ما لم تُفتح ملفات العدالة بشفافية ومسؤولية، وما لم تُبنَ هوية وطنية تتجاوز الانقسامات الضيقة، سنبقى ندور في الحلقة نفسها التي حاصرت السوريين لعقود. وحين تُهمَل الأسس الأولى لإعادة البناء، يصبح كل إنجاز هشّاً، وكل مصالحة سطحية، وكل خطاب وطني مجرد قشرة قابلة للتشقق عند أول اختلاف.

سوريا لن تنقذها الخوارزميات، ولا السجالات الرقمية، ولا التعصّب المغلّف بلغة الوعي. سينقذها فقط أولئك الذين يقررون تجاوز هوياتهم الضيقة، والنظر إلى الواقع كما هو:
بلد متعب لكنه لم يمت؛ ممزّق لكنه ليس بلا أفق؛ جريح لكنه قادر على النهوض، إذا قرر أبناؤه أن يكونوا جزءاً من الحل، لا وقوداً لدورة خراب لا تنتهي.


لبنى خلف

يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا

Related Articles

en_USEnglish