Our Space

لماذا يحبّ الناس جميل الظهراوي؟ قراءة في جاذبية الخطاب الشعبوي

“ليش الناس بتحبّ الظهراوي؟”
سؤال يتكرر بكثرة في التعليقات وعلى منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا مع الانتشار الواسع لمقاطع النائب جميل الظهراوي تحت قبّة البرلمان وخارجها.

هناك من يرى فيه صوتًا جريئًا يتحدّث بلسان الشارع، وهناك من يعتبره نموذجًا متقدّمًا للشعبوية الرقمية. لكن بعيدًا عن التأييد أو الرفض، يبقى السؤال الأهم: ما الذي يجعل هذا النوع من الخطاب جذابًا إلى هذا الحد؟

أولًا: شعور بالانتماء والقوة الجماعية

الشعبوية تمنح الناس إحساسًا واضحًا بالانتماء.
حين يشعر المواطن بأنه مهمّش أو مضغوط اقتصاديًا أو محبط من الواقع، يصبح من المريح أن يرى العالم منقسمًا إلى معسكرين:

  • “ناس طيبين، صادقين، مظلومين”
  • “نخب فاسدة، منفصلة عن الواقع، لا تكترث”

هذا التقسيم، رغم تبسيطه الشديد، يخلق رابطة عاطفية قوية بين السياسي وجمهوره.
عندما يخاطب النائب الحكومة بلهجة حادة أو ساخرة، يشعر كثيرون أنهم ليسوا وحدهم في غضبهم. وكأن أحدًا أخيرًا يقول ما يريدون قوله.

ثانيًا: تحويل الغضب الشخصي إلى غضب منظّم

الإنسان حين يغضب أو يضيق به الحال، يبحث عن تفسير.
الشعبوية تقدّم له هذا التفسير سريعًا: هناك “عدو واضح” مسؤول عن معاناتك — الحكومة، الفاسدون، النخب.

وجود خصم محدد يمنح الناس راحة نفسية؛ فالغضب يصبح موجهًا بدل أن يكون مبعثرًا.
بدل أن تكون المشكلة شبكة معقدة من عوامل اقتصادية وسياسية وإقليمية، تصبح حكاية بسيطة: “هم السبب”.

هذا التبسيط يمنح شعورًا بالوضوح، حتى لو لم يكن دقيقًا بالكامل.

ثالثًا: تبسيط التعقيد السياسي

السياسة بطبيعتها معقّدة:
اقتصاد، موازنات، علاقات دولية، تشريعات، توازنات داخلية وخارجية.

لكن الخطاب الشعبوي يختزل كل ذلك في جملتين حماسيتين.
المشكلات الكبيرة تُقدَّم كأنها واضحة وسهلة الحل، وكأنها تحتاج فقط إلى “جرأة” لا إلى سياسات مدروسة.

هذا الأسلوب يريح المتلقي.
فبدل الدخول في تفاصيل مرهقة، يحصل على سردية جاهزة ومباشرة.

رابعًا: السياسة بوصفها عرضًا ممتعًا

السخرية تجعل السياسة أكثر قابلية للانتشار.
حين يصبح مقطع تحت القبة “ترند”، ويتداوله الناس بكثافة، يشعر الجمهور أنه يشارك في حدث كبير. التعليقات، الإعجابات، إعادة النشر… كلها تمنح إحساسًا بالمشاركة السياسية.

لكن انتشار الشعبوية لا يجلب فقط مشاهدات، بل يجلب أيضًا تعليقات شعبوية مشابهة في لهجتها وحدّتها.
وهكذا تتغذى الدائرة: خطاب حاد ينتج تفاعلًا حادًا.

خامسًا: إحساس بالتغيير… من دون كلفة

أحد أهم عناصر الجاذبية هو الشعور بأن هناك “من يدافع عنا”.
وأنت جالس في منزلك، تشعر أن المعركة تُخاض نيابة عنك.
هذا يمنح إحساسًا بالتغيير والثورة — ولو رمزيًا.

لكن هنا تكمن المفارقة:
هذا الإحساس قد يؤدي أحيانًا إلى نوع من الكسل السياسي.
طالما أن هناك من “يتكفّل بالمواجهة”، فلماذا أشارك أنا فعليًا؟

هل الشعبوية مؤذية فعلًا؟

قد لا تبدو الشعبوية ضارّة بشكل مباشر.
فما المشكلة إن تحدث نائب بجرأة في وجه رئيس حكومة مثل جعفر حسان؟
الجرأة بحد ذاتها ليست خطيئة.

لكن الخطر غير المباشر يكمن في شيء آخر:
تحويل الأنظار من الحلول المعقدة إلى عبارات جذابة، ومن الإصلاحات الواقعية إلى أعداء رمزيين.

الكلمات الكبيرة قد تكون مؤثرة وممتعة، لكنها لا تصبح سياسات بمجرد انتشارها.

بين الحبّ والتقييم

كثيرون يقولون إنهم يحبّون هذا النوع من الخطاب.
والحبّ شعور إنساني مفهوم، خاصة حين يشعر الناس أن هناك من يمثّلهم.

لكن السؤال الأعمق ليس: “هل نحبه أم لا؟”
بل:
هل يكفي أن نحب أسلوبًا سياسيًا؟
أم ينبغي أن نقيسه بقدرته على إنتاج حلول حقيقية؟

والسؤال: ظاهرة حبّ الظهراوي — أو أي خطاب شعبوي مشابه — ليست صدفة.
إنها انعكاس لواقع اقتصادي واجتماعي ضاغط، ولحاجة نفسية إلى الانتماء والوضوح والتمثيل.

لكن في النهاية، السياسة ليست عرضًا، ولا مسابقة شعبية.
هي مسؤولية، وخيارات، ونتائج ملموسة.

فهل نحن أمام تجديد في الخطاب السياسي؟
أم أمام ارتياح عاطفي مؤقت؟

السؤال
لماذا يحب البعض هذا الخطاب؟
وهل يمكن أن يكون الحبّ وحده معيارًا كافيًا للحكم على الأداء السياسي؟

للمزيد, شاهدوا الحلقة
https://youtu.be/rd6TxxZNKY4

Related Articles

en_USEnglish