مساحتنا

هل يوجد تحرش في الأردن؟ بين إنكار المشكلة وخطاب “الدفاع عن الوطن”

“أنا عايشة في الأردن عشر سنين ولا مرة خرجت إلا وتم التحرّش فيّ”
جملة قالتها شابة في مقابلة مصوّرة، لتتحول بعدها إلى موجة جدل واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي. بدل أن يُفتح نقاش جاد حول ظاهرة التحرش، انقسم الخطاب سريعًا بين من يتحدث عن التجربة بوصفها معاناة شخصية تستحق الاستماع، ومن اعتبر الاعتراف بوجود تحرش في الأردن إساءة للوطن وأهله.

فهل يوجد تحرش في الأردن فعلًا؟ أم أن مجرد طرح السؤال يُعد “هجومًا على البلد” كما حاول بعض التناول الإعلامي أن يوحي؟

حين يتحول السؤال إلى معركة وطنية

في تقرير أُنجز بطريقة أثارت الكثير من الاستغراب، بدا واضحًا أن إطار الطرح لم يكن محايدًا.
المذيع لم يقدّم القضية بوصفها مشكلة اجتماعية تحتاج إلى فهم ومعالجة، بل بدا وكأنه يخوض معركة دفاعية عن “صورة الأردن”.

جرى تصوير الاعتراف بوجود تحرش كأنه تشويه متعمّد أو انتقاص من الوطنية، وظهرت لغة تعبئة عاطفية توحي بأن البلد “مستهدف” وأن الواجب هو نفي المشكلة لا مناقشتها.

هذا النوع من التأطير يحوّل قضية اجتماعية حساسة إلى صراع رمزي:
إما أن تنفي،
أو تُتهم بعدم الولاء.

مناقشة التحرش ليست إهانة للشباب الأردني

في إحدى المداخلات طُرح سؤال مباشر:
“الشباب الأردني ممكن يتحرش؟”

السؤال بحد ذاته أُطّر وكأنه اتهام جماعي. لكن النقاش حول ظاهرة اجتماعية لا يعني تعميم الاتهام على الجميع.
القول بوجود تحرش لا يعني أن كل الشباب متحرشون، تمامًا كما أن وجود سرقة لا يعني أن كل الناس لصوص.

في أي مجتمع، هناك أغلبية محترمة، ونسبة ترتكب سلوكيات خاطئة. الاعتراف بهذه الحقيقة لا يُهين المجتمع، بل يضعه أمام مسؤوليته الأخلاقية في حماية أفراده.

انتقائية الآراء وصناعة الإجابة

بدا واضحًا في التقرير انحياز في اختيار المداخلات، والتركيز على آراء تنفي وجود التحرش بشكل مطلق.
بل إن صياغة الأسئلة نفسها كانت تميل إلى دفع المشاركات للإجابة ضمن إطار محدد: “لا، لا يوجد تحرش”.

هذا الأسلوب لا يعكس استطلاعًا موضوعيًا، بل محاولة لتأكيد نتيجة مسبقة.
الإعلام المهني يفترض أن يطرح السؤال بقدر من الحياد، ويترك المساحة لوجهات نظر متعددة، لا أن يصنع الإجابة قبل أن يسمعها.

تجاهل السياق الاجتماعي وصعوبة البوح

حين تُسأل امرأة أمام الكاميرا إن كانت تعرضت للتحرش، فإن الإجابة ليست بسيطة.
في مجتمع لا تزال فيه الضحية تخشى الوصم، وتُحمَّل أحيانًا مسؤولية ما حدث لها، ليس من السهل أن تقول امرأة علنًا: “نعم، تعرضت للتحرش”.

تجميع عدد من النساء اللواتي نفين وجود تحرش، وعرض ذلك بسرعة كدليل قاطع، يتجاهل هذه الحساسية الاجتماعية.
الصمت لا يعني عدم وقوع الحادثة، بل قد يعني الخوف أو الحرج أو عدم الثقة بجدوى الكلام.

افتراض الكذب بدل مناقشة المشكلة

أخطر ما في الجدل كان افتراض أن الشابة التي تحدثت عن تجربتها تكذب أو تبالغ.
بدل أن يُناقش التحرش كظاهرة تحتاج إلى دراسة وتشريعات وتوعية، تحوّل النقاش إلى التشكيك في الضحية نفسها.

هذه المقاربة لا تحمي المجتمع، بل تحمي المشكلة من المواجهة.

بديهيات لا يجب أن تكون مثار جدل

ببساطة:
نعم، يوجد تحرش في الأردن.
ويوجد تحرش في كل دول العالم، بدرجات وأشكال مختلفة.

القضية لا علاقة لها بالوطنية.
بل إن الوطنية الحقيقية تقتضي الاعتراف بالمشكلات والسعي لمعالجتها، لا إنكارها.

الشباب الأردني في غالبيته محترم بلا شك، لكن هذا لا ينفي وجود سلوكيات خاطئة من بعض الأفراد.
وعندما نسمع رواية ضحية، الأولى أن نصغي، نفهم السياق، ونتعامل مع التجربة بجدية، بدل أن نُسارع إلى التكذيب أو الاتهام.

بين الدفاع الحقيقي والإنكار

الدفاع عن الأردن لا يكون بإنكار الواقع، بل ببناء مجتمع أكثر أمانًا وعدلًا.
الاعتراف بوجود تحرش لا يشوّه صورة البلد، بل يفتح الباب لتحسينها.

يبقى السؤال الأهم:
هل نريد صورة مثالية على الشاشات، أم واقعًا أفضل على الأرض؟

النقاش مسؤولية جماعية، والاستماع للضحايا خطوة أولى نحو أي حل حقيقي.
للمزيد, شاهدوا الحلقة
https://youtu.be/NjR8wETbY8E

مقالات ذات صلة

arArabic