
في زمن السياسة الرقمية، لم يعد النائب مجرد متحدث تحت القبة، بل صار صانع محتوى ينافس على الخوارزميات والترند. الفيديوهات القصيرة، المؤثرات الصوتية، الموسيقى الرائجة، والكابشنات المكتوبة على الشاشة… كلها أدوات دخلت بقوة إلى الخطاب السياسي.
ضمن هذا السياق، يبرز اسم النائب “الظهراوي” كحالة خاصة تستحق التوقف. ليس فقط بسبب أسلوبه الشعبويّ الخطابي، بل لأنه يبدو واعيًا تمامًا لما يفعله.
تمثيل أم أداء سياسي محسوب؟
في أحد الفيديوهات المتداولة، يردّ الظهراوي على مكالمة هاتفية قائلاً: “ألو قصي… هاد قصي بحكيلي عن الكلاب.” يتخلل المشهد سكتشات، ونبرة درامية، السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا عفوي؟ أم أداء مدروس؟ المفارقة أن الظهراوي نفسه قال في موضِع آخَر إنه إذا اتُّهم بالتمثيل “سوف يلعب دور البطل”.
أي أنه يدرك الاتهام، ولا يواجه مشاكل معه.
فيديو صديق للخوارزمية
عند تحليل الفيديو أو الفيديوهات المنشورة على صفحته، نجد أنها مستوفية تقريبًا لكل شروط المحتوى القابل للانتشار:
- كابشنات مكتوبة على الشاشة
- موسيقى رائجة
- مؤثرات صوتية
- إيقاع سريع
- لحظات صادمة أو ساخرة قابلة للاقتطاع
بعبارة أخرى: المحتوى مصمم ليكون “فايرال”. وهنا نحن لا نتحدث عن شعبوية تقليدية، بل عن شعبوية واعية، تفهم قواعد المنصة كما تفهم قواعد الخطابة.
“مدرسة الهزل السياسي
في فيديو آخر، يتحدث الظهراوي عن تأسيس “مدرسة الهزل السياسي”. هذا التصريح بحد ذاته لافت. فغالبًا ما يُتَّهم السياسي بالشعبوية دون أن يعترف أو يعي ذلك. أما هنا، فنحن أمام سياسي يُعرّف أسلوبه بنفسه، ويقدّمه كنهج. الهزل السياسي ليس جديدًا، لكن حين يتحول إلى هوية خطابية دائمة داخل مؤسسة تشريعية، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام نقد ساخر للواقع وشكرًا؟ دون حلول أو أطروحات قد تعالَج أيّ من المشاكل التي يطرحها النائب تحت القبّة.
ما هي الشعبوية أصلًا؟
الشعبوية — ببساطة — هي أسلوب يقوم على وضع “الشعب الطيب المظلوم” في مواجهة “النخب الفاسدة”. تُستخدم فيه عبارات رنانة، سخرية لاذعة، قصص مؤثرة، ومواقف حماسية. لكن غالبًا ما يفتقر هذا الخطاب إلى خطط واضحة أو حلول عمليّة، لأنه يعرّي الواقع، هذا صحيح. لكن ماذا الآن؟ لا شيء. وهنا تحديدا تكمن الإشكالية لأنّ السياسة ليست مجرد كشف للخلل، بل مسؤولية اقتراح مسارات إصلاح. وإلا فإن الخطاب يبقى في إطار: “أنا معكم ضدهم” دون الدخول في تعقيدات الحلول.
هذا المقال لا يهدف للحكم إن كان الظهراوي على صواب أو خطأ. لكن المؤكد أننا أمام ظاهرة سياسية رقمية تستحق التحليل: سياسي يفهم الخوارزمية، يوظف السخرية، ويعيد تعريف حضوره البرلماني بلغة المنصات. فهل هذا تجديد مطلوب في الخطاب السياسي؟ أم انزلاق نحو تحويل السياسة إلى عرض دائم؟
هناك من يرى في خطاب الظهراوي تمثيلًا حقيقيًا لصوت الشارع، حتى لو لم يحمل حلولًا مفصلة.
وهناك من يعتبر أن خطاباته محسوبة بعناية لتعزيز الحضور الرقمي والبقاء في دائرة الترند.
السؤال يبقى مفتوحًا: هل تكفي السخرية لتكون سياسة؟ وهل يمكن لمدرسة “الهزل السياسي” أن تنتج إصلاحًا حقيقيًا أم أنها ستنتج فقط محتوى أكثر انتشارًا؟
للمزيد, شاهدوا الحلقة
https://youtu.be/frhyn3AijN4



