حين يُسلب الحقّ باسم الحماية
المرأة كيان مكتمل، وحقّها المدنيّ في اتّخاذ القرار لا يُمنح ولا يُسحب. هي إنسان يفكّر، يقرّر، يبني، ويُخطئ، ويتحمّل نتائج اختياراته، كما يفعل أيّ فرد راشد في المجتمع.

حين يُسلب الحقّ باسم الحماية
في لحظات كثيرة، تعيش المرأة صراعًا داخليًّا عميقًا بين حقيقتها الإنسانيّة الكاملة، وبين قيود اجتماعيّة تُفرض عليها باسم العرف أو الخوف أو ما يُسمّى (الحرص).
تنجح، تعمل، تتعلّم، تطوّر ذاتها، تتقدّم في العمر، وتراكم الخبرات، ومع ذلك، يبقى فوق رأسها ظلّ قديم يتجلّى في التّعامل معها ككائنٍ تابع، لا تُعترف بأهليّته الكاملة في اتّخاذ القرار، وكأنّ نضجها يظلّ بحاجة إلى تصديق من محكّم خارجيّ.
ضغوط تُمارَس بصراحة أحيانًا، وبتلميحات ناعمة أحيانًا أخرى، لكنّ رسالتها واحدة:
أنتِ لستِ كاملة.
ذاك التعامل الذي يقلّل من شعور المرأة بذاتها في لحظات مفصليّة من حياتها، كما لو أنّها ما زالت دون السّنّ القانونيّ، حتّى وإن كانت راشدة، ناضجة، واعية، وقادرة على تحمّل تبعات قراراتها.
لكنّ الحقيقة أبسط وأكثر وضوحًا ممّا يُراد لها أن تكون:
المرأة كيان مكتمل، وحقّها المدنيّ في اتّخاذ القرار لا يُمنح ولا يُسحب.
هي إنسان يفكّر، يقرّر، يبني، ويُخطئ، ويتحمّل نتائج اختياراته، كما يفعل أيّ فرد راشد في المجتمع.
التّملّك ليس حماية، وليس حبًّا، كما يُروَّج له.
هو في جوهره نزع صامت لحقّ الإنسان في أن يعيش كفرد مستقلّ، أن يمتلك صوته وقراره ومساحته الدّاخليّة الّتي لا يحقّ لأحد اختراقها أو التّحكّم بها.
والمفارقة المؤلمة أن المرأة مصدر القوّة والدّعم لمحيطها، المعطاءة بلا حدود، تُعامَل أحيانًا كعقل ناقص أو وعي غير مكتمل، وكأنّها تحتاج دائمًا إلى قيادة خارجيّة لتسيير شؤون حياتها. تُمحى إنجازاتها، وتُنسى نجاحاتها عند أوّل محكّ لمجرّد أنّها أنثى.
هذا التّناقض المستمرّ يخلق تعبًا لا يُرى، عبئًا نفسيًّا لا يأتي من كثرة العمل أو حجم المسؤوليّات، بل من شعور دائم بأنّ الحريّة مهدّدة، وأنّ الحقّ في الاختيار قابل للمصادرة في أي لحظة فقط لأنّها امرأة.
المسألة لا تتعلّق برغبة في التّمرّد، ولا بمحاولة انتزاع دور أحد، ولا بصراع على سلطة.
الموضوع أبسط وأكثر إنسانيّة:
حقّ الإنسان كامل الأهليّة في أن يختار ما يناسبه.
النّساء يعشن هذا الواقع في صمت طويل، يأتي هذا الطّرح ليقول جملة واحدة بوضوح لا يحتمل التّأويل:
(المرأة مسؤولة عن قراراتها الشّخصيّة).
ما نحتاجه هو اعتراف بسيط بأنّ المرأة قادرة على اتّخاذ قرار دون ترويع أو تهديد.
استقلاليّتها ليست تحدّيًا لأحد، ولا تهديدًا لأحد، ولا تجاوزًا لمكانة أحد.
هي فقط إعادة الإنسان إلى مكانه الطّبيعيّ: حرّ، مسؤول، وصاحب قرار.
عبير ادبيس
يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا



