مساحتنا

التضامن الإنساني… حين يستعيد الإنسان معناه في عالمٍ عربيٍّ مثقل بالجراح

بمناسبة اليوم الدولي للتضامن الإنساني – 20 ديسمبر

في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث على نحوٍ يربك الوعي الإنساني، وتتراكم فيه الأزمات كما تتراكم الغيوم الثقيلة في سماءٍ واحدة، يجيء اليوم الدولي للتضامن الإنساني، في العشرين من ديسمبر من كل عام، لا بوصفه مناسبة رمزية تُضاف إلى روزنامة الأمم المتحدة، بل كوقفة أخلاقية عميقة، تضع البشرية كلها أمام مرآة ضميرها، وتسائلها بجرأة: أي عالم نريد؟ وأي إنسان نريد أن نكون؟

ليس هذا اليوم ترفًا أخلاقيًا، ولا خطابًا إنشائيًا يصلح للمناسبات فقط، بل هو ضرورة تاريخية، وصرخة واعية في زمنٍ باتت فيه القيم الإنسانية مهدّدة بالتحوّل إلى شعارات فارغة، في ظل صعود الأنانية السياسية، وتغوّل المصالح الضيقة، وتراجع الإحساس بالمسؤولية الجماعية تجاه الإنسان، لا سيما في منطقتنا العربية التي تدفع، منذ عقود، أثمانًا باهظة لصراعات لم تكن يومًا بمعزل عن اختلال ميزان العدالة في العالم.

التضامن الإنساني: من القيمة الأخلاقية إلى المسؤولية التاريخية

التضامن الإنساني، في جوهره العميق، ليس مجرد فعل إحسان عابر، ولا استجابة ظرفية لأزمة طارئة، بل هو تعبير عن وعيٍ إنسانيٍّ ناضج، يُدرك أن مصير البشر متشابك، وأن أمن الإنسان في أي بقعة من هذا الكوكب، مرتبط بأمن غيره، مهما بدت المسافات بعيدة، أو الثقافات مختلفة، أو المصالح متعارضة.

لقد أثبت التاريخ، مرارًا، أن المجتمعات التي تفقد حسّ التضامن، تفقد قدرتها على الاستمرار، وأن الحضارات التي تقوم على الإقصاء والتفاوت الصارخ، تحمل في داخلها بذور انهيارها. وفي المقابل، فإن كل نهضة إنسانية حقيقية، كانت تبدأ من الاعتراف بالآخر، ومن تحويل هذا الاعتراف إلى التزام عملي، يُترجم في السياسات والاقتصاد والتعليم والثقافة.

وفي السياق العربي، يكتسب التضامن الإنساني بعدًا مضاعفًا، لأن المنطقة لا تواجه فقط تحديات الفقر والتهميش، بل تواجه كذلك أزمات مركّبة من احتلال، ونزاعات، ولجوء، وتفاوت تنموي حاد، جعل من الإنسان العربي، في كثير من الأحيان، الضحية الأولى لعالمٍ لا ينظر إلى العدالة بوصفها أولوية.

اليوم الدولي للتضامن الإنساني: لماذا الآن؟ ولماذا هنا؟

حين أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم العشرين من ديسمبر يومًا دوليًا للتضامن الإنساني، كانت تدرك أن العالم، رغم كل ما حققه من تقدم علمي وتقني، يعيش أزمة أخلاقية حقيقية. فالتفاوت بين الدول، وداخل الدول نفسها، بلغ مستويات غير مسبوقة، والفقر لم يعد ظاهرة هامشية، بل واقعًا يوميًا لمئات الملايين من البشر.

في الوطن العربي، تتجلّى هذه الأزمة بوضوح مؤلم. فبين ثروات هائلة غير مستثمرة بعدالة، وموارد بشرية شابة تُهدر بسبب البطالة والتهميش، تتسع الفجوة بين الإمكانات المتاحة والواقع المعاش. وهنا، يصبح التضامن الإنساني ليس مجرد قيمة عامة، بل شرطًا أساسيًا لبقاء المجتمعات العربية متماسكة وقادرة على الصمود.

الفقر في الوطن العربي: أكثر من أرقام

الفقر، كما يُختزل في التقارير الدولية، غالبًا ما يُقاس بالأرقام والنسب، لكنه في الحقيقة حكايات إنسانية يومية، لأطفال يُحرمون من التعليم، ولأسر تعيش على هامش الحياة، ولشباب فقدوا الثقة بالمستقبل.
وفي كثير من الدول العربية، لا يرتبط الفقر بندرة الموارد، بقدر ما يرتبط بسوء توزيعها، وبغياب العدالة الاجتماعية، وبضعف السياسات التنموية الشاملة.

إن التضامن الإنساني، حين يُطرح في سياق مكافحة الفقر، لا يعني فقط تقديم المساعدات، بل يعني تفكيك البُنى التي تنتج الفقر وتعيد إنتاجه. يعني الاستثمار في الإنسان، بوصفه القيمة الأعلى، لا بوصفه عبئًا اقتصاديًا.

الأردن: نموذج الصمود والتضامن

في قلب هذا المشهد العربي المعقّد، يبرز الأردن مثالًا لافتًا في ممارسة التضامن الإنساني، رغم محدودية موارده، وضغوطه الاقتصادية المتزايدة.
لقد تحمّل الأردن، عبر سنوات طويلة، أعباءً إنسانية جسيمة، باستقباله موجات متتالية من اللاجئين، وتقاسمه لقمة العيش والماء والخدمات، في واحدة من أكثر المناطق شحًّا بالموارد.

هذا النموذج الأردني، الذي يقوم على مزيج من الحكمة السياسية والالتزام الإنساني، يقدّم رسالة واضحة مفادها أن التضامن ليس حكرًا على الدول الغنية، بل هو خيار أخلاقي يمكن أن تمارسه الدول، متى ما وضعت الإنسان في صدارة أولوياتها.

التضامن والتنمية المستدامة: علاقة لا تنفصم

لا يمكن الحديث عن التنمية المستدامة بمعزل عن التضامن الإنساني. فالأهداف العالمية للتنمية، مهما بدت طموحة، تظلّ عاجزة عن التحقق في بيئة يسودها التفاوت، ويغيب عنها التعاون الحقيقي.

في العالم العربي، تتطلب التنمية المستدامة رؤية تضامنية تتجاوز الحدود القُطرية، وتؤمن بأن الأمن الغذائي، والمائي، والصحي، والتعليمي، قضايا مترابطة، لا يمكن لأي دولة أن تعالجها منفردة.

إن التضامن العربي – إذا ما أُعيد إحياؤه على أسس واقعية وعادلة – قادر على تحويل التحديات إلى فرص، وعلى بناء نموذج تنموي يُنقذ الأجيال القادمة من تكرار أزمات الماضي.

الإعلام العربي: بين المسؤولية والتقصير

يلعب الإعلام دورًا حاسمًا في ترسيخ ثقافة التضامن، أو في إفراغها من مضمونها.
فالإعلام الذي يختزل معاناة الإنسان العربي في أرقام باردة، أو الذي يتعامل مع الفقر بوصفه قدرًا محتومًا، يساهم – عن قصد أو غير قصد – في تكريس اللامبالاة.

أما الإعلام المسؤول، فهو ذاك الذي يُعيد للإنسان صوته، ويضع القضايا الإنسانية في صدارة الأجندة العامة، ويُذكّر بأن التضامن ليس تفضّلًا، بل حقًا وواجبًا.

من التضامن العاطفي إلى التضامن الفعلي

كثيرًا ما يتجلّى التضامن في لحظات الأزمات الكبرى، ثم يتراجع مع مرور الوقت.
غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل التضامن من رد فعل عاطفي إلى سياسة مستدامة، ومن مبادرة فردية إلى نهج مؤسسي.

وهذا يتطلب إرادة سياسية، وتشريعات عادلة، ومشاركة مجتمعية فاعلة، وثقافة عامة ترى في العدالة الاجتماعية أساس الاستقرار، لا تهديدًا له.

دعوة مفتوحة للعالم العربي

في اليوم الدولي للتضامن الإنساني، لا يحتاج الوطن العربي إلى مزيد من الخطابات، بقدر ما يحتاج إلى مراجعة صادقة للخيارات، وإلى إعادة الاعتبار لقيمة الإنسان، بوصفه جوهر أي مشروع نهضوي.

إن التضامن الإنساني، حين يُمارس بوعي ومسؤولية، قادر على أن يكون بوابة الخروج من أزمات الفقر والتهميش، وقاعدة لبناء مستقبل أكثر عدالة، ليس للأردن وحده، ولا لدولة عربية بعينها، بل للمنطقة بأسرها.

​في عالمٍ تتقاطع فيه المصالح، وتتزاحم فيه الأزمات، لم يعد التضامن الإنساني ترفًا أخلاقيًا يمكن تأجيله، بل بات ضرورة واقعية تفرضها شروط البقاء نفسها. فالإنسان، حين يُترك وحيدًا في مواجهة الفقر والتهميش والنزاعات، لا يخسر وحده، بل تخسر معه المجتمعات استقرارها، والدول توازنها، والعالم قدرته على الاستمرار.

​وفي السياق العربي، حيث تتراكم التحديات وتتداخل، يبقى الرهان الحقيقي على استعادة الإنسان لمكانته في صلب السياسات والخيارات الكبرى، لا بوصفه رقمًا في تقارير، بل قيمة مركزية لا تستقيم التنمية ولا العدالة من دونها. عندها فقط، يمكن للتضامن أن يتحوّل من شعار موسمي إلى ممارسة يومية، ومن خطاب أخلاقي إلى فعل تاريخي، يعيد للإنسان العربي ثقته بأن مستقبله لا يزال قابلًا للحياة.

بقلم: نور المصري – الأردن

يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا

مقالات ذات صلة

arArabic