كيف اقتحم “المغربي والإبل” التريند العالمي ليعيد تعريف الجمال العربي
إن التريند الجديد، الذي عصف بالعالم من الشرق إلى الغرب، لم يكن ليحقق كل هذا الصدى لولا أنه لامس حاجة عميقة لدى الجمهور العالمي: الحاجة إلى الأصالة والبساطة والهروب من المادية المفرطة.

الانفجار الصامت: حين يتحدث العالم بالعربية
في زمن تتنافس فيه الخوارزميات على جذب الانتباه عبر التعقيد والضجيج، ظهر صوت مغربي بسيط، محمّلاً بجمال الصحراء وبعبارات العشق الصادق، ليعصف بالتريند العالمي من شرقه إلى غربه.
لم يكن هذا مجرد كليب عابر؛ بل تظاهرة ثقافية أعادت تقديم الهوية العربية بـ “صفر رتوش “، فخلقت لغة عالمية جديدة أساسها الجملة الساحرة: “بدي أنا شو بدي أنا، غيرك ما بدي.”
إن الشاب المغربي إلياس المنصوري، الذي يسمي نفسه ديستناكت، أراد للعالم أن يتكلم العربية عبر الموسيقى والإبل” بحسب ما قال في مقابلة مع الاعلامي أنس بوخش، كما بات يُعرف، لم يكتفِ بنقل صورة، بل أسس لحركة قوة ناعمة جديدة، مستخدماً أدوات شديدة البساطة: الجمل، واللباس العربي الأصيل، وشغفاً غير محدود لامرأة واحدة.
رسالة الحب التي ألغت الحدود
يكمن سر النجاح المدوّي لهذه الظاهرة في بساطة الرسالة وتركيزها النقي. في عالم يستهلك العلاقات بسرعة جنونية، يصرّ هذا السفير العاطفي على مفهوم الاستثناء والوفاء المطلق. عبارات مثل “شو مهضومة يا حبي” و “هو يريد حبيبته فقط” كانت بمثابة ترياق للروح، تذكّر المشاهدين، بغض النظر عن لغتهم، بأن القيمة الحقيقية تكمن في التركيز على ما هو أصيل، وما هو عميق.
لقد نجح هذا العاشق في تحويل مشاعر شخصية حميمة إلى ترنيمة عالمية، مؤكداً أن العشق الصادق، عندما يُعبَّر عنه بصدق غير مصطنع، هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.
الثقافة كبيان: رداً على الصور النمطية
لم تكن الظاهرة مجرد غزل عابر؛ بل كانت بياناً ثقافياً مضاداً. لقد استخدم هذا المغربي أصالة مظهره ليرسخ رواية عربية مغايرة:
- العربية لغة الجمال: بتمسكه باللغة العربية وتمنيه أن يتحدث العالم بها، كما أشار في ذات المقابلة، أزاح اللهجة من خانة “الخاص” إلى خانة “المرغوب عالمياً”، مقدماً إياها كقناة للعشق والإلهام.
- أصالة اللباس والرمز: الإبل واللباس العربي غير المنقح شكلا خلفية بصرية قوية، ترفض الصور النمطية المصطنعة، وتدعو العالم للاحتفاء بالجمال العربي كما هو: قوي، طبيعي، ومليء بالتاريخ.
- نفي الإرهاب بالحب: رسالته المباشرة: “نحن العرب لم نكن يوماً دعاة قتل أو إرهاب”، يقول، كانت ضربة قاضية لكل محاولات ربط الثقافة العربية بالعنف. لقد قدم الحب والجمال كدليل لا يقبل الجدل على جوهر هذه الحضارة.
لويس فيتون وعصير الليمون: ثورة القيم
لعل العبارة الأكثر جرأة وذكاءً في هذه الظاهرة هي تلك التي قارنت علامات فاخرة عالمية مثل هيرميس ولويس فيتون بعصير الليمون “بالنسبة للعرب”.
هذا ليس مجرد رفض للمادية، بل هو تأكيد لسيادة القيمة الثقافية الداخلية. في هذا التعبير، يقول هذا السفير الضمني للعالم: إن معاييركم للرفاهية (حقيبة باهظة الثمن) هي بالنسبة لنا أمر بسيط ومستهلك (عصير ليمون)، مقارنة بثراء ثقافتنا وجمال حياتنا البسيطة وأصالة عواطفنا. إنه استدعاء عالمي لإعادة تقييم ما هو ثمين حقاً.
خلاصة: تريند الأصالة والعودة للذات
إن التريند الجديد، الذي عصف بالعالم من الشرق إلى الغرب، لم يكن ليحقق كل هذا الصدى لولا أنه لامس حاجة عميقة لدى الجمهور العالمي: الحاجة إلى الأصالة والبساطة والهروب من المادية المفرطة.
لقد أثبت المغربي والإبل والموسيقى أن القوة الناعمة الحقيقية تكمن في الثقة بالنفس وبالهوية. فبدلاً من محاولة تقليد الغرب، قفزت الثقافة العربية إلى المقدمة بقوتها الذاتية، مُعلنةً: “هذه هي قيمنا، وهذا هو عشقنا، وهذا هو جمالنا غير القابل للمساومة.”
حمودة مكاوي
يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا



