لبنان …الهدنة التي كانت كذبة… والحرب التي جاءت على أي حال

لنبدأ بالواقع.
منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بين إسرائيل وحزب الله، لم يعرف لبنان السلام. استمرت الغارات الجوية الإسرائيلية، وتوغلات الطائرات المسيّرة، والعمليات في الجنوب. وثّقت السلطات اللبنانية وآليات المراقبة التابعة للأمم المتحدة آلاف الخروقات. قُتل مدنيون بعد وقف إطلاق النار بينهم أطفال. وعاشت بلدات الجنوب تحت مراقبة دائمة وقصف متقطع.
برّرت إسرائيل العديد من هذه العمليات بالقول إن حزب الله لم يُنزع سلاحه بالكامل، وإن بنيته العسكرية ما زالت نشطة في أجزاء من جنوب لبنان. ومن منظور العقيدة الأمنية الإسرائيلية، ما دام حزب الله يحتفظ بالسلاح والقدرة العملياتية، فإن التهديد يبقى قائماً.
في الوقت نفسه، كانت الدولة اللبنانية قد أعلنت التزامها بتعزيز سلطتها وتوسيع دور الجيش اللبناني في الجنوب. طُرحت خطوات تدريجية، وكانت القنوات الدبلوماسية نشطة. لكن لم تكن هناك آلية واضحة وشفافة ومحددة زمنياً لنزع سلاح حزب الله بالكامل.
وهذا التأخير كان له أثر.
إن غياب إطار واضح لنزع السلاح خلق فراغاً , فراغاً استخدمته إسرائيل مراراً لتبرير استمرار ضرباتها. وما إذا كان هذا التبرير يصمد أمام القانون الدولي هو مسألة أخرى. لكن سياسياً، فإن غياب الاستعجال والوضوح من جانب الدولة اللبنانية أضعف موقفها، وسمح لأطراف خارجية بالادعاء بأن شروط وقف إطلاق النار لم تُنفّذ بالكامل.
هنا تصبح المسؤولية متعددة المستويات.
إسرائيل واصلت خروقاتها.
حزب الله بقي مسلحاً خارج سلطة الدولة.
والدولة اللبنانية تحركت ببطء شديد في مسألة سيادية ملحّة، من دون آلية تنفيذ واضحة.
لذلك لا , الحرب لم تنتهِ فعلياً.
لقد تقلّصت، واحتُوِيت جغرافياً، وأُديرت استراتيجياً , لكنها لم تتوقف.
ومع ذلك، تغيّر شيء ما.
عندما أطلق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل عقب مقتل المرشد الإيراني الاعلى علي خامنئي ، انتقل التصعيد من «نزاع مُحتوى» إلى مواجهة مفتوحة. ذلك القرار غيّر المعادلة.
والسؤال الواضح الذي يطرحه كثير من اللبنانيين:
إذا كانت إسرائيل تضرب لبنان أصلاً، فلماذا تحوّل اللوم الآن إلى حزب الله؟
لأن التصعيد ليس الشيء نفسه الذي تمثّله الخروقات المستمرة. كانت أفعال إسرائيل موثقة ومُدانة على نطاق واسع بوصفها انتهاكات. لكن الرد الصاروخي واسع النطاق من حزب الله حوّل نزاعاً محدوداً — وإن كان مستمراً ,إلى شرارة إقليمية واسعة، وأطلق موجة من الردود الإسرائيلية الواسعة في مختلف أنحاء لبنان.
النية مهمة.
الحجم مهم.
والتوقيت مهم.
حزب الله وسؤال نهايته
هناك حقيقة أخرى غير مريحة.
حزب الله يدرك أنه يقترب من نهاية بنيوية.
داخلياً، تتعرض الدولة اللبنانية لضغوط متزايدة , سياسياً واقتصادياً واجتماعياً , من أجل حصر السلاح بيد الدولة. وخارجياً، تغيّرت ديناميات الإقليم. وكلفة بقاء فاعل مسلح غير دولتي أصبحت أعلى من أي وقت مضى.
السؤال الحقيقي لم يكن يوماً ما إذا كانت الهيمنة العسكرية لحزب الله ستتراجع.
بل متى.
وهذا التصعيد ربما سرّع تلك اللحظة.
كان لدى حزب الله خيار آخر: اتفاق مع الدولة اللبنانية يقود إلى نزع سلاحه بالكامل ضمن إطار دفاع وطني. كان من شأن هذا المسار أن يقلّل مخاطر الدمار، ويحفظ الأرواح، ويعزز موقع لبنان الدبلوماسي.
لكن لنزع السلاح ثمناً , ثمن القوة الرمزية.
فهوية حزب الله بُنيت طويلاً على سردية المقاومة والحماية. والتراجع طوعاً قد يبدو ضعفاً أمام جمهوره. وفي الحركات السياسية المبنية على أسطورة القوة، يصبح الضعف مسألة وجودية.
فما الخيار المفضل إذاً؟
التسوية والتحول التدريجي؟
أم المواجهة التي تحافظ على صورة التحدي؟
بالنسبة لبعض الفاعلين، قد يكون السقوط كمقاتل أفضل من العيش كحزب سياسي ضعيف.
وقد تكون هذه آخر حرب يعمل فيها حزب الله كقوة عسكرية مستقلة بهذا الحجم.
الجيش اللبناني ووهم الاستبدال
يقول البعض: ليحلّ الجيش اللبناني محل حزب الله عسكرياً.
لكن الجيش اللبناني غير مهيأ لخوض حرب تقليدية مع الجيش الإسرائيلي. فالجيش الإسرائيلي يُعدّ من أكثر الجيوش تقدماً تكنولوجياً في المنطقة، ويحظى بدعم كبير من الولايات المتحدة.
وإلقاء الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة من دون ضمانات سياسية لن يكون سيادة — بل تضحية.
ولهذا السبب تحديداً سعت الدولة اللبنانية إلى المسار الدبلوماسي — مباشرة وغير مباشرة — مع إسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا. ليس بدافع السذاجة، بل إدراكاً لعدم تكافؤ القوة.
الانفجار الإقليمي
لم يعد هذا النزاع لبنانياً–إسرائيلياً فقط.
استهدفت إسرائيل إيران.
وردّت إيران , بضرب إسرائيل واستهداف دول في الخليج.
والمنطقة باتت تتحرك وفق منطق التصعيد.
حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية لا تُظهر حافزاً سياسياً حقيقياً لخفض التصعيد. فالقيادات المحاصرة داخلياً غالباً ما تستفيد من المواجهات الخارجية. والحكومات المدفوعة بأيديولوجيا متشددة لا تضع خطاب التعايش في أولوياتها.
وفي الوقت نفسه، فإن نهج إيران الإقليمي , عبر ساحات الوكلاء , يحوّل دولاً مثل لبنان إلى امتدادات لساحات الصراع.
يصبح لبنان جغرافيا.
لا أولوية.
الجنوب: احتلال أم احتواء؟
أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء لعشرات البلدات الجنوبية وطالبت بالانسحاب إلى جنوب نهر الليطاني. كما توسعت الغارات جغرافياً.
فهل الهدف يقتصر على بنية حزب الله العسكرية؟
أم أن هناك مصلحة استراتيجية في السيطرة طويلة الأمد على جنوب لبنان؟
الوقت وحده سيكشف ما إذا كان الهدف الأساسي لإسرائيل هو القضاء على القدرة العسكرية لحزب الله، أم إعادة رسم الخريطة الأمنية للجنوب بالكامل.
ويبقى اللبنانيون يتساءلون:
هل نشهد سياسة ردع؟
أم تمهيداً لشيء أكبر؟
المساءلة، بوضوح
لقد انتهكت إسرائيل السيادة اللبنانية مراراً منذ وقف إطلاق النار. وقد دفع المدنيون الثمن. وهذا موثق.
لكن حزب الله اتخذ قراراً واعياً بتصعيد وضع هش نحو حرب مفتوحة — في لحظة كانت القنوات الدبلوماسية ما تزال نشطة.
وهذا القرار يحمل مسؤولية.
لبنان لا يحتاج إلى انتصارات رمزية.
بل يحتاج إلى الاستقرار وإعادة الإعمار ومؤسسات سيادية قوية.
التاريخ لن يحكم على من صرخ أعلى.
بل سيحكم على من حمى لبنان , ومن سرّع في تدميره.
هانيا كنيعو
يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا



