بين الحماسة والخطر: هل تتحول الدعوة لحماية المنشآت إلى دروع بشرية؟

في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، وخصوصًا بعد تهديدات إيرانية باستهداف منشآت طاقة في المنطقة، عاد الحديث في الأردن عن أمن المنشآت الحيوية وكيفية حمايتها.
لكن الجدل لم يأتِ هذه المرة من تهديد خارجي فقط، بل من تصريح أثار نقاشًا واسعًا داخل الشارع الأردني، عندما دعا النائب ناصر نواصرة إلى احتشاد آلاف المواطنين حول منشآت الطاقة لحمايتها بأجسادهم في حال تعرضت لتهديد.
التصريح، الذي قُدّم بلغة حماسية، فتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود الخطاب السياسي ومسؤولية النواب في أوقات الأزمات.
دعوة للحشد الشعبي
في المقطع المتداول، قال النائب إن “درب الشهادة مفتوح”، مقترحًا أنه إذا كان هناك تهديد حقيقي لمنشآت الطاقة، فيجب أن يتجمع آلاف المواطنين حولها، بل عشرات الآلاف، ليشكلوا كتلة بشرية تحمي هذه المنشآت.
وأضاف أنه مستعد لأن يكون مع النواب في مقدمة هذه الصفوف، معتبرًا أن وجود هذه الحشود سيجعل أي جهة تفكر مليًا قبل استهداف المنشآت.
المنشآت التي ورد ذكرها في سياق الحديث تشمل مواقع حيوية مثل:
- محطة العقبة للطاقة
- محطة السمرا الحرارية
وهما من أبرز منشآت الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد الأردني.
بين الحماسة والخطورة
يرى بعض المتابعين أن التصريح يعكس حماسة وطنية ورغبة في الدفاع عن البلاد.
لكن في المقابل، اعتبر كثيرون أن هذا الطرح يحمل مخاطر كبيرة.
فالدعوة إلى احتشاد مدنيين حول منشآت قد تكون هدفًا عسكريًا محتملًا قد تعرّض حياة الناس للخطر، وتحوّل المواطنين فعليًا إلى دروع بشرية في حال وقوع هجوم.
كما يطرح هذا الطرح تساؤلات حول دور المؤسسات الأمنية والعسكرية، التي تقع عليها مسؤولية حماية المنشآت الحيوية وفق خطط أمنية متخصصة.
خطاب شعبوي أم موقف وطني؟
في النقاش العام الذي تبع التصريحات، وصف بعض المعلقين هذا النوع من الخطاب بأنه مثال على الشعبوية السياسية.
فاللغة العاطفية، والدعوة إلى التضحية الجماعية، قد تبدو مؤثرة، لكنها لا تقدم حلولًا عملية لكيفية التعامل مع تهديدات أمنية معقدة.
الشعبوية في هذا السياق تظهر عندما يتحول النقاش من السياسات الواقعية إلى الشعارات الحماسية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا أمنية تتطلب تخطيطًا مؤسسيًا دقيقًا.
ردود الفعل في الشارع
اللافت أن ردود الفعل في التعليقات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي عكست قدرًا كبيرًا من النقاش الواعي.
فبين من رأى في التصريح تعبيرًا عن روح التضحية، وبين من اعتبره دعوة خطيرة وغير مسؤولة، بدا واضحًا أن الجمهور لا يتعامل مع هذه التصريحات بشكل تلقائي، بل يحاول تقييمها بعين نقدية.
هذا التفاعل يعكس نضجًا متزايدًا في النقاش العام، حيث لم يعد الخطاب الحماسي وحده كافيًا لإقناع الناس.
خاتمة: أين تقف حدود الخطاب السياسي؟
الدفاع عن الوطن قيمة يتفق عليها الجميع، لكن السؤال يبقى في كيف يتم هذا الدفاع.
هل يكون عبر حشد المدنيين وتعريضهم للخطر؟
أم عبر تعزيز دور المؤسسات الأمنية وتطوير خطط الحماية المتخصصة؟
في أوقات التوتر، تصبح الكلمات أكثر حساسية وتأثيرًا.
ولهذا ربما يكون التحدي الحقيقي أمام السياسيين ليس في إطلاق التصريحات الأكثر حماسة، بل في تقديم الخطاب الأكثر مسؤولية.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الرأي العام:
هل تعكس مثل هذه الدعوات شجاعة سياسية… أم مجازفة غير محسوبة؟



