المشروع الثالث: سيادة الدولة في وجه كماشة المشاريع

منذ عقود والمنطقة العربية أسيرة لثنائية مدمرة، وكأن قدرنا التاريخي أن نختار دائما بين فكي كماشة. من جهة، هناك المشروع الإسرائيلي-الصهيوني الذي يسعى لفرض تفوقه الأمني وهيمنته التوسعية، ومن جهة أخرى، المشروع الفارسي الذي تقوده أيديولوجيا ولاية الفقيه ويتمدد عبر أذرع وميليشيات تفتت نسيج المجتمعات وتحول الأوطان إلى منصات لإطلاق الرسائل بالنار. والمنطق الرائج اليوم يقول: إن زوال أحد هذين المشروعين سيترك الآخر يستفرد بالمنطقة تماما، وهو استدلال يقتات على فرضية أن العرب مجرد فراغ استراتيجي بانتظار من يملؤه.
هذا المنطق يختزل مئات الملايين في دور الضحية، متجاهلاً أن تمدد هذه المشاريع لم يكن إلا نتيجة لسقوط المركز العربي التقليدي ودخول المنطقة في حالة من الرخاوة التي أغرت القوى الإقليمية بالعبور فوق سيادتنا.
لكن، من الذي قرر غياب المشروع الثالث؟
الحقيقة التي تتبلور اليوم وسط الدخان هي مشروع الدولة الوطنية المستقرة. هو مشروع لا يبحث عن إمبراطوريات عابرة للحدود، بل عن الأمان والازدهار داخل الحدود. إنه المشروع الذي تتصدره اليوم الأردن ودول الخليج ومصر والمغرب بكل ثبات، ونرى محاولات شاقة، وربما مريرة، لاستعادته في لبنان وسوريا والعراق؛ تلك الدول التي بدأت تدرك أن الارتهان للمشاريع الخارجية لم يجلب لها سوى الخراب وضياع السيادة، وأن العودة إلى مفهوم الدولة هو المخرج الوحيد من نفق التبعية.
الاستقرار في هذا المشروع ليس صدفة، بل هو فعل سيادي وأمن قومي مركب. إن ما يميز المشروع الثالث هو تقديس فكرة الاستقرار القائم على تحصين الداخل؛ فالدولة الوطنية تدرك أن الفقر والتفتت هما الثغرات التي ينفذ منها المشروع الفارسي، وأن الضعف هو الذريعة التي يتوسع بها المشروع الصهيوني. لذا، فإن بناء اقتصاد حقيقي، وتعليم منافس، وحماية كرامة المواطن، هو الرد الاستراتيجي الذي يكشف عجز الأيديولوجيات الماضوية. نحن هنا أمام صدام بين حداثة الدولة التي تستمد شرعيتها من المستقبل، وبين مشاريع قروسطية تستمد شرعيتها من المظلوميات والنصوص التاريخية القديمة.
الاستهداف والتحالفات المتزنة: الدرع والسيادة. لقد كشفت الأحداث الأخيرة أن هذا الاستقرار مستهدف بوضوح، لأن نجاح نموذج الدولة الوطنية يهدد المشاريع التي تعيش على الفوضى. الاستهداف الإيراني المباشر للأردن والخليج عبر مئات المسيرات والصواريخ لم يكن مجرد مرور عابر، بل كان اختبارا عنيفا لقدرة الدولة الوطنية على الصمود ومنع اختراق مجالها الحيوي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن 83% من الصواريخ والمسيرات وجهتها طهران ضد الخليج والأردن والبقية فقط كانت ضد إسرائيل.
وهنا تبرز فلسفة التحالفات المتزنة؛ فالأردن ودول الخليج لم يختاروا الارتهان، بل بنوا شبكة من التحالفات الدولية والإقليمية القائمة على الواقعية السياسية. هذه التحالفات ليست شيكا على بياض، بل هي هندسة أمنية وأداة سيادية لحماية السماء والأرض من تغول المشروعين الإسرائيلي-الصهيوني والفارسي على حد سواء. هذه الموازنة الدقيقة هي التي جعلت سماءنا وأرضنا عصية على أن تكون ممرا أو ساحة لتصادم الإرادات، وحولتها إلى درع يمنع تحويلنا إلى ضرر جانبي في صراعات لا تخدم مصالحنا الوطنية.
في النهاية، الانتصار الحقيقي للمنطقة لن يكون بنصر مشروع إقليمي غريب على آخر، بل بنجاح نموذج الدولة الوطنية في الأردن ومصر والخليج، واستعادة الكتلة التاريخية العربية في لبنان وسوريا والعراق. إنها معركة البقاء والازدهار ضد الهيمنة والخراب؛ فالمشروع الثالث هو الأمل الوحيد لجيل يريد وطنا يحيا فيه، لا خندقا يموت فيه من أجل أوهام الآخرين.
أسامة عيسى



