مساحتنا

الإباحيون العرب: من أبي نواس إلى أنطونيو سليمان وألينا أنجل

كيف انتقل العرب من الهجاء إلى الأداء؟

منذ فجر التاريخ، كان الجنس دائمًا محركًا أساسيًا للإبداع البشري. نقش رسامو الكهوف مشاهد تعكس الجسد العاري، منذ فجر التاريخ، كان الجنس دائمًا محركًا أساسيًا للإبداع البشري. نقش رسامو الكهوف مشاهد تعكس الجسد العاري، وزينت المعابد في الحضارات القديمة بمنحوتات جريئة، بينما ألهمت الرغبة النحاتين والرسامين في اليونان وروما والمايا والصين، حتى جاءت عصور النهضة الأوربية لتعيد إحياء الجسد كموضوع فني خالد.

عربياً، لم يكن الجنس بعيدًا عن الخيال الأدبي، لكنه مرّ بتقلبات وتحولات من الجاهلية إلى العصر الحديث. في زمن الصحراء، كان الجسد يُختزل في صور مستوحاة من الطبيعة القاحلة، حيث تغنى امرؤ القيس وعنترة بجمال المرأة وشبهوها بالظباء ولمعان السيوف وورد الماء. ولكن مع دخول الإسلام، تبدلت المعايير، وأعيد ضبط إيقاع الرغبة وفق قواعد جديدة، إلا أن الخيال الجنسي لم يتوقف، بل استمر في صور أدبية شديدة الجرأة في العصرين الأموي والعباسي.

من أبي نواس إلى الإباحية الرقمية

عندما يذكر المجون في الثقافة العربية، يبرز اسم أبي نواس، شاعر الخمر والغلمان، الذي عكس في أبياته شغف عصره بالحسية والمتعة، بل وتخطى حدود المحرمات في أشعاره ليكشف جانبًا من الحياة الليلية البغدادية المفعمة بالشهوة.

 أما في العصر الحديث، فقد دخلت المنطقة العربية نفقًا آخر، حيث التصارع بين الكبت والانفتاح، والرغبة والتوجس، فبات الحديث عن الجنس في العلن أمرًا مشينًا، بينما تربع العرب على قوائم البحث في المواقع الإباحية سرًا!

كيف أصبح العرب من رواد المشاهدة إلى صناع الإباحية؟

في الوقت الذي كان العالم الغربي يحتضن ثورة جنسية متكاملة، حولت مجلات مثل بلاي بوي وهستلر الجنس إلى تجارة مؤسسية، كانت المنطقة العربية تغرق في الصراعات السياسية والفكرية، متخبطة بين موجات التحديث والمد المحافظ الذي أغلق دور السينما، وحوّل المسارح إلى أطلال، لكنه لم ينجح في كبح جماح الرغبة الخفية.

ثم جاء الإنترنت… ومعه تغيّر كل شيء. لم تعد الإباحية حكرًا على الأثرياء، بل أصبحت متاحة بضغطة زر، والأهم من ذلك، لم يعد العرب مجرد مستهلكين، بل دخلوا المسرح بوجوههم وأجسادهم!

ميا خليفة… الفضيحة التي كشفت ازدواجية العرب

في عام 2014، اجتاحت ميا خليفة العالم كأول عربية تدخل صناعة الإباحية كممثلة محترفة، ولم يكن ظهورها مجرد خبر عابر، بل تحول إلى زلزال إعلامي في المنطقة العربية. ارتعدت الضمائر، واشتعلت المنصات بالغضب، بينما كانت الإحصائيات تشير إلى أن العرب أنفسهم كانوا من أكثر المشاهدين لمقاطعها. تهديدات بالقتل ومطالبات بالقصاص، لكن في نهاية المطاف، انسحبت ميا، وبقيت أفلامها تجني الملايين، بينما استمرت محركات البحث العربية في رفع اسمها إلى الصدارة.

من المشاهدة إلى الإنتاج… جحا أولى بلحم ثوره!

بعد صدمة ميا خليفة، لم يعد العرب مجرد مستهلكين، بل تحولوا إلى صناع محتوى. ظهر أنطونيو سليمان (السوري)، وألينا أنجل (العراقية)، وباربي نجد (السعودية)، وآية خلف (السورية) وخديجة اليافعي (اليمنية) وأميرة علي (المصرية)، ويوسف خليل (التونسي)، وغيرهم كثيرون، ليؤسسوا حضورًا عربيًا واضحًا في صناعة الإباحية، مستفيدين من الفضاء الإلكتروني الذي يتيح لهم كسب مئات الآلاف من الدولارات مقابل مشاهداتهم ومتابعيهم.

كبسوا كبسوا”… كيف مهد تيك توك الطريق للإباحية العربية؟

لم يكن دخول العرب للإباحية بشكل احترافي مفاجئًا، فقد سبقتهم إلى ذلك تيك توك وثقافة كبسوا كبسوا، وهي التحديات التي تدفع المؤثرين لفعل ما يطلبه الجمهور مباشرةً مقابل الهدايا المالية. بدأ الأمر برقصة جريئة هنا وحركة إيحائية هناك، وسرعان ما تحول إلى عروض إباحية ضمنية، ثم صريحة، لينتقل بعضهم مباشرةً إلى منصات مثل أونلي فانز وفان سبايسي وغيرها حيث يمكنهم كسب آلاف الدولارات شهريًا، وتقديم محتوى إباحي كامل بناءً على طلب المتابعين.

لقد أصبح المشاهد العربي جزءًا من صناعة الإباحية، ليس فقط كمستهلك، بل كمخرج يحدد السيناريو التالي

أرقام تكشف الحقيقة الصادمة

  • 4 مليارات مشاهدة للأفلام الإباحية كل ساعة حول العالم.
  • 11% من عمليات البحث الإباحية عالمياً تأتي من الدول العربية.
  • 13 مليون دولار سنويًا هو دخل نجوم الإباحية العرب.
  • 300 مليار دولار حجم صناعة الإباحية عالميًا.
  • 11 عامًا هو العمر الشائع لمشاهدة الإباحية لأول مرة.

هل تغير العقل العربي؟

لطالما كان العرب مشغولين بالمحافظة على الصورة “مثالية” لمجتمعهم، بينما يعيشون حياة مزدوجة خلف الأبواب المغلقة. لكن مع هذا التغلغل الرقمي، لم يعد بالإمكان إنكار أن العرب، الذين كانوا رواد الشعر الجنسي والمجون في العصور القديمة، أصبحوا اليوم جزءً أساسيًا من صناعة الإباحية، سواء كمستهلكين أو منتجين.

فهل تصالح العربي مع رغباته، أم أنه ما زال يعيش بين لذة المشاهدة وذنب الاعتراف؟!

حمودة مكاوي – صحافي أردني

يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا

مقالات ذات صلة

arArabic