
في أحد شوارع عمّان، لا يهرب الناس من الكاميرا، بل من فريقنا في شيزوميديا.
المشهد سريالي إلى حد قد يبدو مضحكًا: نقترب، نعرّف عن أنفسنا، نفتح نقاشًا حول قضية عامة… فيغيّر الشخص مساره فجأة، يبتسم باعتذار، أو يختفي دون كلمة، مشهد بدأ يتكرر يوميًا بشكل يعيق العمل.
أنا مقدّم برنامج هيك قولتك ورئيس تحريره. نحن لا نطرح أسئلة عابرة، بل نفتح نقاشات حول قضايا اجتماعية، سياسية، اقتصادية، وحقوقية تمسّ حياة الناس مباشرة. ومع ذلك، أصبح الهروب هو الجواب الأكثر شيوعًا.
هذا المشهد لم يكن مألوفًا دائمًا.
على مدار أربع سنوات، عملنا على برنامج هيك قولتك، وهو برنامج قائم على أقوال الشارع، يلتقط آراء الناس حول المستجدات السياسية، الحقوقية، والاقتصادية في الأردن والمنطقة. البرنامج وصل حتى اليوم إلى ما يقارب 70 مليون مشاهدة، وتحول إلى مساحة عامة حقيقية لسماع ما يقوله الناس بأنفسهم، لا ما يُقال بالنيابة عنهم.
يُنتَج البرنامج بالشراكة مع مشروع بيت الحكمة، وبدعم من منظمة أفكار بلا حدود.
في بدايات البرنامج، كان المشهد مختلفًا تمامًا.
الناس كانت تقترب من الكاميرا، تتسابق على الكلام، تحاول أن تحجز مساحة لرأيها، حتى لو كان مختلفًا أو حادًا.
لكن بين أعوام 2022 و2025، تغيّر كل شيء.
لم نعد نبحث عن الآراء، بل عن الشجاعة. لم يعد السؤال: من يريد أن يتكلم؟ بل: من يشعر أنه يستطيع؟
وهذا الخوف لا يخص الناس وحدهم، بل ينعكس مباشرة على فرق العمل في الشارع. كل حلقة باتت تمرّ بكمٍّ مضاعف من التوتر، والتطمين، واحترام الخوف قبل أي اعتبار مهني. هذا المقال أيضًا تعبير عن تعاطفي مع فريقي، ومع كل فريق إعلامي يعمل في الشارع ويصطدم يوميًا بهذا الصمت المريب.
المفارقة الصادمة أننا، خلال عملنا على البرنامج خارج الأردن، لاحظنا مشهدًا مختلفًا تمامًا.
في دول تعيش قلاقل واضطرابات مزمنة مثل سوريا، العراق، ولبنان، كان الناس في كثير من الأحيان أكثر انفتاحًا على مشاركة آرائهم الجريئة، وأكثر استعدادًا للحديث أمام الكاميرا، رغم المخاطر السياسية والأمنية الواضحة هناك.
هذا التناقض يطرح سؤالًا ملحاً:
كيف يصبح الخوف من الرأي أشد في بلد مستقر نسبيًا، منه في بلدان تعيش أزمات مفتوحة؟
فالمواطن الاردني لا يرى في شوارع الأردن مظاهر أمنية، أو اعتقالات تعسفية، او قمعاً منظماً لأصحاب الرأي
فما الذي يرعب الناس من عواقب التعبير ؟
ربما الجواب ليس في الشارع، بل في النصوص القانونية.
خلال السنوات الأخيرة، أصبح قانون الجرائم الإلكترونية أحد أكثر القوانين تأثيرًا على السلوك العام، ليس فقط بسبب تطبيقه، بل بسبب غموض نصوصه واتساعها. فمواد مثل تلك المتعلقة بـ خطاب الكراهية، الذم والقدح، والأخبار الكاذبة—خصوصًا المواد التي تُجرّم ما يمكن أن يُفسَّر كـ “ازدراء الأديان” أو “تهديد السلم المجتمعي”— صيغت بلغة فضفاضة تخلط بين التحريض الفعلي وبين النقد أو النقاش العام. المادة (17) على سبيل المثال تُجرّم نشر ما من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات، التحريض على الكراهية أو العنف، أو ازدراء الأديان والمعتقدات الدينية، لكنها تفتقر إلى تعريفات دقيقة لهذه المفاهيم، ما يجعلها عناوين مطاطية يمكن أن يُدرج تحتها أي رأي غير مريح أو نقاش عام حساس. هذا التداخل بين المواد، وغياب حدود واضحة للفرق بين التعبير المشروع والجريمة، دفع الناس إلى الرقابة الذاتية خوفًا من أن يتحوّل التعبير عن الرأي إلى تهمة.
عندما لا يعرف المواطن أين يبدأ الخط الأحمر وأين ينتهي، يصبح الصمت خيارًا منطقيًا. ومع وجود أدوات مثل التوقيف قبل المحاكمة، والغرامات المالية المرتفعة وغير المتناسبة، يتحول القانون من أداة تنظيم إلى أداة ردع نفسي. في هذه الحالة، لا يحتاج القمع إلى أن يكون مرئيًا؛ الناس تقوم به ذاتيًا.
هذا التراجع في حرية التعبير لا يتوقف عند حدود الإعلام أو الشارع، بل يمتد إلى الاقتصاد. ورغم عدم وجود دراسات أردنية مباشرة تربط بشكل صريح بين تراجع الحريات والنمو الاقتصادي، إلا أن عددًا من الدراسات الدولية في مجالات الحوكمة والتنمية يشير إلى علاقة واضحة بين اتساع مساحة التعبير والشفافية من جهة، وثقة السوق والاستقرار الاقتصادي من جهة أخرى.
تقارير صادرة عن مؤسسات مثل البنك الدولي و**منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية** تُظهر أن ضعف حرية التعبير وحرية الإعلام يرتبط بتراجع مؤشرات الشفافية، وانتشار عدم اليقين، وارتفاع كلفة المخاطر على المستثمرين. كما تشير أبحاث مقارنة إلى أن المجتمعات التي تُقيَّد فيها حرية تداول المعلومات تعاني من ضعف في مساءلة السياسات العامة، ما ينعكس سلبًا على كفاءة القرارات الاقتصادية وثقة الفاعلين المحليين.
في هذا السياق، لا تُعد حرية التعبير ترفًا سياسيًا، بل جزءًا أساسيًا من منظومة تشمل الشفافية، تداول المعلومات، والمساءلة العامة — وهي عناصر جوهرية لأي بيئة اقتصادية مستقرة وقابلة للنمو، فعندما يخاف الناس من الكلام، يخاف السوق من المعلومة، ويخاف الاستثمار من الغموض.
ماذا عن السلطة التشريعية؟
المجلس النيابي الحالي، المجلس العشرون، منتخب منذ أيلول 2024، ومضى على تشكيله قرابة سنة ونصف. ورغم الانتقادات الحقوقية الواسعة لقانون الجرائم الإلكترونية، لم يُقدَّم حتى الآن أي مشروع تعديل رسمي للقانون. المفارقة أن تعديل القانون كان جزءًا من الوعود الانتخابية لبعض النواب، إلا أن هذه الوعود لم تُترجم بعد إلى مبادرات تشريعية فعلية. داخل المجلس، اقتصر التعاطي مع الملف على تصريحات متفرقة، فيما لم تبادر اللجنة القانونية أو لجنة الحقوق والحريات إلى فتح مسار مراجعة منهجية للمواد الإشكالية أو تقديم جدول زمني واضح للتعديل. عمليًا، بقي القانون قائمًا بصيغته الحالية، دون مساءلة تشريعية حقيقية لحجم تأثيره على حرية التعبير والحياة العامة.
النتيجة واضحة:
القانون بقي كما هو، بينما تغيّر الناس.
هذا التغيّر تؤكده أيضًا المؤشرات الدولية. تصنيفات مثل مراسلون بلا حدود تصف وضع حرية الصحافة في الأردن خلال السنوات الاربع الآنف ذكرها بأنه ما بين صعب وصعب جدا، فيما تصنّف بيت الحرية الأردن كدولة غير حرة.
الهروب من الكاميرا اليوم ليس فعلًا عابرًا، ولا دليل لامبالاة. هو سلوك عقلاني في بيئة قانونية غير واضحة الحدود، ومجتمع كثير التابوهات، ومفرط الحساسيات تجاه آراء الحرية والفكر وحقوق الانسان، بيئة فيها الكلام قد يكون مكلفًا، والصمت أقل ثمنًا.في النهاية، السؤال ليس:
لماذا يهرب الناس من فريقنا؟
بل:
لماذا أصبح التعبير عن الرأي أمرًا يستوجب الهروب؟
أسامة عيسى



