مساحتنا

رمضان حين يتحوّل شهر العبادة إلى موسم إرهاق للنساء

حين يهلّ شهر رمضان، تتبدّل إيقاعات الحياة في المجتمعات الإسلامية. تتزيّن الشوارع، تمتلئ المساجد بالمصلّين، وتعلو الدعوات إلى صلة الرحم والتراحم والتكافل. غير أنّ ثمّة وجهاً آخر لهذا الشهر، وجهاً لا يُرى كثيراً في خطب الجمعة ولا في البرامج الرمضانية، ولا يتصدّر عناوين الاحتفاء الروحي. إنّه الوجه الصامت المتعب… وجه النساء اللواتي يتحمّلن أعباءً مضاعفة في شهر يُفترض أنّه شهر عبادة وسكينة، فإذا به يتحوّل في كثير من البيوت إلى موسم ضغط جسدي ونفسي متراكم.

قلّما يُسأل: كيف تعيش النساء رمضان؟ ما الذي يعنيه الصيام لامرأة تستيقظ قبل الفجر لإعداد السحور، ثم تمضي نهارها بين العمل خارج المنزل أو داخله، ثم تعود لتبدأ رحلة إعداد الإفطار، فتنظيف المطبخ، فغسل الأواني، فترتيب البيت، فتهيئة السحور من جديد؟ وأين يتجلّى نصيبها من السكينة والعبادة وسط هذا الركض المتواصل؟

عبء يومي متزايد… وطقوس تتحوّل إلى التزام قاسٍ

تؤكد شهادات نسائية متكرّرة في المجتمعات العربية، ومن بينها الأردن، أنّ شهر رمضان لا يخفّف الأعباء المنزلية، بل يضاعفها. فإلى جانب المهام المعتادة من تنظيف ورعاية أطفال ومتابعة دروسهم وتنظيم شؤون المنزل، يُضاف عبء يومي ثقيل يتمثّل في إعداد وجبتي الإفطار والسحور، غالباً بتنوّع كبير في الأصناف، وكأنّ المائدة الرمضانية امتحان يوميّ في الكفاءة والمهارة.

في كثير من البيوت، لا يُنظر إلى إعداد الطعام بوصفه جهداً ينبغي تقديره أو تقاسمه، بل واجباً بديهياً ملقى على عاتق المرأة. فإذا كانت عاملة خارج المنزل، فهي مطالبة بالجمع بين وظيفتين: وظيفة مأجورة تنتهي ساعاتها الرسمية، وأخرى غير مدفوعة الأجر تبدأ ولا تنتهي. وإذا كانت ربّة منزل، فإنّ عملها يُختزل في كونه “طبيعياً” أو “جزءاً من دورها”، لا عملًا يستحق الاعتراف والتقدير.

ومع اقتراب موعد الإفطار، تتصاعد وتيرة التوتر. فالوقت ضيقّ، والجهد كبير، والتوقعات مرتفعة. وفي أجواء الصيام، حيث تتأثر الأعصاب بتغيّر النظام الغذائي وقلة النوم، قد يتحوّل أبسط خطأ ،زيادة ملح، أو نقص بهار، أو تأخر طبق ، إلى شرارة خلاف حاد.

حين يصبح الطعام سبباً في الطلاق

في عام 2025، تداولت وسائل إعلام أردنية تقارير لافتة عن تسجيل نحو 200 حالة طلاق في الأسبوع الأول من رمضان. وأُثير جدل واسع حين حذّر أحد أساتذة علم الاجتماع من “دخول الأزواج إلى المطبخ لتفقد وجبة الإفطار” حتى لا تتفاقم الخلافات بسبب الطعام. كما أُشير إلى أن نقص الملح أو الانقطاع عن التدخين قد يتحوّل إلى سبب مباشر في تصاعد النزاعات.

وفي السياق ذاته، كشف مفتي عام الأردن أنّ كثيراً من حالات الطلاق المسجلة في رمضان تعود إلى خلافات أسرية متعلقة بالطعام والشراب، وأن توتر الأعصاب خلال الصيام قد يحوّل الخلافات البسيطة إلى مشاجرات تنتهي بالانفصال.

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مبالغاً فيه: هل يمكن أن ينتهي زواج بسبب ملح زائد أو طبق لم يرق لأحدهم؟ غير أنّ القراءة المتأنّية تكشف أنّ “الملح” ليس سوى قشرة رقيقة تغطي ما تحتها من تراكمات: ضغط نفسي، شعور بعدم التقدير، توزيع غير عادل للمسؤوليات، وغياب ثقافة الحوار.

حين يُحمّل الطعام كلّ رمزية العلاقة الزوجية، ويُختزل جهد المرأة في طبق يُقيّم فورياً على مائدة الإفطار، يصبح النقد – ولو عابراً – طعناً في الكرامة، لا ملاحظة عابرة. ومع التوتر والإرهاق، قد تتدحرج الكلمات إلى جروح عميقة.

العمل غير المرئي… اقتصاد يُدار على أكتاف النساء

تشير منظمة العمل الدولية إلى أنّ النساء حول العالم يقدّمن ما يقارب 12.5 مليار ساعة يومياً من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، بقيمة تقديرية تصل إلى 10.8 تريليون دولار سنوياً، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف القيمة التي تضيفها صناعة التكنولوجيا العالمية إلى الاقتصاد.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل مرآة لواقع تُختزل فيه جهود النساء في خانة “الواجب” أو “الدور الطبيعي”، دون اعتراف اقتصادي أو اجتماعي بقيمتها. وإذا كان هذا حال العام بأكمله، فإنّ رمضان يمثّل ذروة هذا العمل غير المرئي، حيث تتضاعف ساعات الطهي والتنظيف والتنظيم، دون أن تتضاعف كلمات الشكر أو مظاهر التقدير.

إنّ إدارة أي مؤسسة تتطلب توزيعاً عادلًا للمهام والمسؤوليات، ومحاسبة واضحة، وتخطيطاً مرناً. والأسرة، بوصفها أصغر مؤسسة في المجتمع، ليست استثناءً. غير أنّ ما يطفو أحياناً على السطح هو نوع من التفرد في الإدارة، حيث تُلقى الأعباء التنفيذية على عاتق المرأة، بينما يُحتفظ بسلطة القرار أو النقد في يد طرف آخر. ومع الأزمات الاقتصادية، قد تُضاف إلى المرأة مسؤولية المساهمة المالية أو تحمّل تبعات التقصير، فتجد نفسها محاصرة بين واجبات المنزل وضغوط المعيشة.

بين العبادة والامتثال للتوقعات الجندرية

الانطباع السائد أنّ رمضان شهر للعبادة والتقرب إلى الله عبر الصوم والصلاة والصدقات وصلة الرحم. غير أنّ كثيراً من النساء يجدن أنفسهنّ في مواجهة توقعات اجتماعية صارمة: عليهنّ أن يضبطن الميزانية، ويواجهن الغلاء، ويُحسنّ تدبير المائدة، ويستقبلن الضيوف بوجه بشوش، ويكظمن الغيظ، ويظهرن السرور، ويُرضين الجميع.

الفرح في رمضان، بالنسبة لعدد غير قليل من النساء، واجبٌ اجتماعي لا خيار فيه. حتى التعب ينبغي أن يُخفى، والشكوى أن تُؤجّل، لأنّ الشهر “شهر بركة”، وكأنّ الاعتراف بالإرهاق ينتقص من قدسيته.

في الأردن، كما في سائر البلدان العربية، ما تزال الأدوار النمطية راسخة في كثير من البيوت: الرجل ضيف على المائدة، والمرأة صانعتها؛ الرجل يجلس منتظراً الأذان، والمرأة تركض بين الموقد والمائدة؛ الرجل يعبّر عن رأيه في جودة الطعام، والمرأة تُحاسب على التفاصيل. هذه الصورة، وإن لم تكن مطلقة، إلا أنّها متكرّرة بما يكفي لتشكّل ظاهرة تستحق النقاش.

الإرهاق المضاعف… جسداً ونفساً

من الناحية الصحية، لا يرتبط الإرهاق الرمضاني بالصيام وحده، بل بتغيّر مواعيد النوم، وقلة الراحة، وزيادة الجهد البدني. المرأة التي تسهر لإعداد السحور، ثم تستيقظ باكراً لأعمالها، لا تحظى غالباً بقسط كافٍ من النوم. ومع مرور الأيام، يتراكم التعب ليصبح استنزافاً بدنياً واضحاً.

أما نفسياً، فإنّ ضغط التوقعات المستمر يولّد توتراً وقلقاً. الخوف من التقصير، أو من نقد لاذع، أو من مقارنة بغيرها، يثقل الروح. وفي حال غياب الدعم الأسري، قد تشعر المرأة بالعزلة داخل بيتها، وكأنّها تخوض معركة يومية بلا سند.

“حرب الطعام” مرآة لخلل أعمق

حين تتحدث التقارير عن “حرب طعام” في رمضان، فهي تصف ظاهرة لا تقتصر على الطبق ذاته، بل تعكس اختلالًا في موازين المسؤولية والاحترام. فالطعام يصبح ساحة تُفرغ فيها توترات الصيام، أو ضغوط العمل، أو الانقطاع عن التدخين، فيتحوّل النقد إلى وسيلة تنفيس على حساب الطرف الأضعف.

إنّ تحميل المرأة وحدها مسؤولية “نجاح” الإفطار أو “فشله” يتجاهل حقيقة بسيطة: الأسرة شراكة، والمائدة نتاج جهد جماعي ينبغي أن يكون كذلك. وإذا كان الصيام يعلّم الصبر وضبط النفس، فالأولى أن يظهر ذلك في طريقة التعامل مع أبسط التفاصيل المنزلية.

نحو وعي جديد… رمضان مسؤولية مشتركة

إنّ الحديث عن معاناة النساء في رمضان ليس دعوة إلى تأجيج الصراع بين الجنسين، بل إلى إعادة التوازن داخل الأسرة. فالعدل في توزيع الأدوار لا ينتقص من مكانة أحد، بل يعزّز المودّة والرحمة التي قامت عليها العلاقة الزوجية.

المطلوب أولًا اعتراف صريح بأنّ العمل المنزلي عمل حقيقي، يستهلك وقتاً وجهداً وطاقة. ثم يأتي بعده توزيع عادل للمهام، يتناسب مع ظروف كل أسرة. يمكن للزوج أن يشارك في إعداد بعض الأطباق، أو في غسل الصحون، أو في ترتيب المائدة. ويمكن للأبناء أن يتعلموا منذ الصغر أنّ البيت مسؤولية جماعية، لا خدمة تقدّمها الأم وحدها.

كما ينبغي تبسيط مفهوم “المائدة المثالية.” فليست كثرة الأصناف معياراً للبركة، ولا التعقيد في الطهي دليلًا على الإتقان. البساطة قد تكون أرحم للجميع، وأقرب إلى روح الشهر.

ومن المهم أيضاً تعزيز ثقافة التقدير اللفظي والمعنوي. كلمة شكر صادقة، أو لفتة مساعدة، أو امتناع عن نقد جارح، قد تُحدث فرقاً كبيراً في نفس امرأة أنهكها التعب.

دور المؤسسات والإعلام

الجامعات، ومراكز المرأة، ووسائل الإعلام، مدعوّة إلى فتح نقاش صريح حول هذه القضية. يمكن تنظيم ورش توعوية عن العمل غير مدفوع الأجر، وأثره الاقتصادي والاجتماعي، وعن أهمية الشراكة داخل الأسرة. كما يمكن إدراج موضوع توزيع الأدوار في الخطاب الديني والاجتماعي خلال رمضان، بوصفه جزءاً من قيم العدل والإحسان.

إنّ إلقاء الضوء على الأرقام، مثل مساهمة النساء الهائلة في أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، يساعد على كسر وهم أنّ هذه الجهود “طبيعية” أو “بلا تكلفة.” فلكل ساعة عمل ثمن، ولو لم يُدفع نقداً.

رمضان كما ينبغي أن يكون

رمضان شهر تهذيب النفس، لا استنزافها. شهر رحمة، لا موسم توتر. وإذا كان الهدف منه الارتقاء بالأخلاق، فإنّ أولى ساحات هذا الارتقاء هي البيت.

حين تجلس الأسرة إلى مائدة أُعدّت بجهد مشترك، يسودها الاحترام والتقدير، يكون الطعام أطيب، والعبادة أصدق، والسكينة أعمق. أما حين تُترك امرأة واحدة لتحمل العبء كله، ثم تُحاسب على مقدار الملح، فإنّ روح الشهر تُغتال في تفاصيل يومية صغيرة.

إنّ إنصاف النساء في رمضان ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة أخلاقية واجتماعية. فاستقرار الأسرة، وانخفاض نسب الطلاق، وصحة الأفراد النفسية والجسدية، كلها ترتبط بمدى العدالة داخل البيت.

فلنُعد إلى رمضان معناه الحقيقي: عبادة تقرّب القلوب، لا أعباء تُثقِل كاهل امرأة صامتة. ولنجعل من هذا الشهر فرصة لمراجعة أدوارنا، وتصحيح اختلالاتنا، وبناء أسر تقوم على الشراكة والرحمة، لا على النقد والتحميل والتقصير.

عندها فقط، يمكن أن نقول إنّنا صمنا حقاً… لا عن الطعام فحسب، بل عن الظلم أيضاً

نور المصري

يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا

مقالات ذات صلة

arArabic