الكريسماس في دمشق
حديث السياسة في كل زاوية كان كريسماس بنكهة سياسية. الأحاديث عن المستقبل لا تنقطع، مجتمع مدني يعمل، ونشاطات تنموية تُرى كحاجة ملحّة لسوريا. النقد وإبداء الرأي نغمة جديدة محبّبة، تسمعها في كل بار ومطعم وزقاق—شيء لم يكن يُتخيَّل في زمن النظام الساقط.

وأخيرًا، تغلّبتُ على مخاوفي وقررت زيارة دمشق وقضاء أعياد الميلاد فيها. أقمتُ في فندق بيت عربي في باب توما، قلب دمشق القديمة، حيث الحضور المسيحي كثيف، والذاكرة المعمارية حاضرة في الأزقة الحجرية والباحات الداخلية. المكان بحدّ ذاته يختصر المدينة: تاريخ، تنوّع، وحياة لا تتوقف رغم كل ما مرّ.
الأضواء أقوى من الكهرباء
رغم وصول الكهرباء بشكل متقطّع، كانت الإضاءة الشاعرية أقوى من العتمة. شجرات الكريسماس تملأ محلات وكافيهات باب شرقي وباب توما، القيمرية، القصاع، الشعلان، والمالكي.
والنكتة السائدة أن المسلمين، ومن فرط السعادة، يزاحمون المسيحيين لتصوير مظاهر الاحتفال بعيد الميلاد المجيد؛ مشهد اعتيادي في مدينة تعرف كيف تعيش تنوّعها.
الأمن حاضر
ثمّة إحساس واضح بالأمان. الأمن العام يحمي الأماكن الدينية والتجمعات والاحتفالات، من دون استعراض. حضور يطمئن أكثر مما يضغط.
ازدحام بلا بيع
الأسواق مزدحمة بالزوّار، لكن حركة البيع محدودة. ارتفاع الأسعار وضعف القوة الشرائية يبدوان عاملين حاسمين.
ميلاد بطعم سقوط الأسد
بهجة الميلاد هذا العام تحمل تفاؤلًا بعام جديد—لأول مرة بلا عقوبات بعد سقوط الأسد، ومع إلغاء عقوبات قيصر في الذكرى الأولى للسقوط.
عبارات معلّقة في الشوارع تحتفي بالتحوّل:
«انتهت الحقبة السوداء»
«وما أحلاك يا بلدي بلا أسد وبلا بعث»
«يلي قتلنا وقع»
كما تنتشر مقولة لعبد القادر صالح، أحد مؤسسي الجيش السوري الحر، الذي قُتل على يد قوات نظام الأسد عام 2013 في ريف حلب:
«إذا خسرنا إنسانيتنا منكون خسرنا الثورة».
الحياة اليومية بلا مواربة
الكحول تُباع وتُقدَّم بحرية كاملة، والحياة تسير وفق أعراف المكان، خصوصًا في باب شرقي وباب توما.
اعتقد انه قد تكون هناك رقابة ذاتية نسبية على اللباس والجهر بالشرب والاحتفال. زرت أماكن قيل إنها كانت أكثر صخبًا واحتفالًا سابقًا، لكنها اليوم أكثر هدوءًا.
لا مراسيم تمنع ذلك، لكن حوادث فردية نُسبت لأشخاص محسوبين على الأمن خلال العام الماضي ربما دفعت بعض الناس إلى الانكفاء وتقنين الاحتفال.
مسيحيون بين رأيين
على مدار يومين، استطلعت آراء مسيحيين سوريين، ولاحظت مقاربتين مختلفتين تمامًا؛ قطبين للرأي:
الأول، رأي متفائل، يرى أن السلطة الجديدة تعاملت بحكمة وحنكة خلال عام كان يمكن أن يكون أسوأ بكثير، ويثق بأن ما حدث في الساحل والسويداء أخطاء فردية سيُحاسَب أصحابها.
والثاني، رأي ممتعض، يخشى أسلمة الفضاء العام، ويستحضر مخاوف من تكرار ما واجه العلويين في الساحل والدروز في السويداء. لسان الحال والمقال: «لا تأمن للقط» كما يقول المثل الشامي.
اللافت أن الرأي الأول يراهن ويثق برواية الدولة السورية الجديدة بأن ما حدث لم يكن عملاً طائفياً ممنهجاً، وأن السلطة تخلّت عن تشددها الديني السابق، وتخلّت عن منطق الفصائلية، متجهة نحو منطق الدولة.
فالرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان أمير هيئة تحرير الشام ذات التوجه الديني السلفي، لا يزال يراه البعض أبا محمد الجولاني ولم يستسغه كـأحمد الشرع، فيما كان آخرون أكثر براغماتية، وقرروا الانخراط في العمل والبناء والانطلاق نحو سوريا جديدة، إذ يرون في السلطة شريكًا في التحرير من نظام جثم على صدورهم ستين عامًا.
حديث السياسة في كل زاوية
كان كريسماس بنكهة سياسية. الأحاديث عن المستقبل لا تنقطع، مجتمع مدني يعمل، ونشاطات تنموية تُرى كحاجة ملحّة لسوريا.
النقد وإبداء الرأي نغمة جديدة محبّبة، تسمعها في كل بار ومطعم وزقاق—شيء لم يكن يُتخيَّل في زمن النظام الساقط.
سياحة تعود بحذر
المشهد السياحي يعود للتشكّل بوضوح: أردنيون وعرب وأوروبيون، حضور قوي لسوريي أوروبا وأميركا، فيما كان الحضور الخليجي أقل مما توقعت.
الناس هنا متلهفة لاستقبال السياح، وتؤهل وتسهل على الطريقة الشامية، ذات النغمة الموسيقية التي تعيدنا الى نوستالجيا الدراما السورية التي يعشقها العرب.
إصلاحات بنية تحتية في دمشق القديمة
بالتزامن مع الأعياد، لاحظت أعمال إصلاح بنية تحتية في شوارع دمشق القديمة، ونقل لمكب النفايات أمام باب شرقي العتيق الى مكان غير مأهول بالسكان، حيث تخطط البلدية الى تحويله الى كراج سيارات ضخم يخدم المدينة القديمة التي تخنقها الازدحامات المرورية.
كما سمعت أن الدولة تتجه لمنع دخول السيارات إلى هذه الشوارع، في محاولة لتحسين تجربة الزائر وحصر الحركة بالمشاة.
وكان مبهجًا رؤية سيارات جمع نفايات، وبلدية، وشرطة وأمن حديثة—مشهد غير معتاد في زمن النظام الساقط الذي اعتمد طويلًا على سيارات قديمة مهلهلة، روسية أو إيرانية الصنع.
كريسماس دمشق هذا العام ليس احتفالًا دينيًا فحسب؛ بل مرآة مرحلة انتقالية: فرح حذر، سياسة حاضرة، اختلافات مكشوفة، وأمل يتشكّل على مهل—في مدينة تعلّمت أن تعيش، رغم كل شيء.
أسامة عيسى – مؤسس منصة شيزوميديا لإعلام حقوق الإنسان



