مساحتنا

كيف استثمرنا هدف ميسي في مرمانا؟

لقد كانت مشاركة “النشامى” في مونديال 2026 حدثاً استثنائياً وضع الأردن تحت مجهر العالم، لا سيما في أسواق أمريكا الشمالية؛ فرصة ذهبية جاءت كهدية مجانية للترويج السياحي. وتضعنا اليوم أمام تساؤلٍ جريء: هل قدمنا للأمريكي والكندي صورة حقيقية عن الأردن، أم اكتفينا بـ”فلكلور” يختزل الهوية في الشماغ والجميد؟
إن الهوية الوطنية الأردنية أعمق من أن تُحصر في عناصر تراثية محددة. فالأردن هو المكان الذي خَبز فيه الإنسان أول رغيف خبز في التاريخ قبل 14,400 عام، وموطن “تماثيل عين غزال” التي سبقت الحضارة الفرعونية بآلاف السنين. نحن لا نتحدث هنا عن بلد سياحي عادي، بل عن “متحف مفتوح” يمتلك أكثر من 100 ألف موقع أثري مكتشف، منها 15 ألف موقع موثق رسمياً، و7 مواقع مسجلة على لائحة التراث العالمي لليونسكو—من البتراء ووادي رم إلى قصير عمرة، أم الرصاص، ومدينة السلط.
والأردن أيضاً هو موطن “المغطس” ووجهة الحج المسيحي التي تضاهي في قدسيتها أقدس بقاع العالم، ومنتج “النبيذ” الذي يحمل بركة الأرض المقدسة. هذا هو الإرث الديني والتاريخي الذي كان يجب أن يكون في قلب الترويج، فهو جوهر قوتنا الناعمة التي تغفل عنها المؤسسات التي لا تزال تراهن على الترويج السطحي بدلاً من إبراز إرثنا الذي علّم العالم معنى الحضارة.
وإلى جانب هذا الإرث، الأردن حكاية إنسانية لا تنتهي. فيه النساء الملهمات اللواتي صنعن التاريخ، والأدباء والفنانون الذين تركوا بصماتهم على الثقافة العالمية. وهو أيضاً “حالة استثنائية” في ملف اللجوء؛ إذ يحتضن أكبر تجمع للاجئين في العالم، بسجل إنساني نادر عالمياً في التعايش والاحتضان. هذه هي “الرسالة الأردنية” التي كان ينبغي أن تصل للعالم عبر المونديال، لا أن تبقى حبيسة الخطاب الرسمي.
ويزيد من مرارة المشهد تلك الفجوة في الحضور الرقمي أثناء المونديال. فبينما كان الجمهور في أمريكا وكندا يبحث عن اسم “Jordan” بفضول كروي، كانت خوارزميات محركات البحث تُظهر نتائج بعيدة كل البعد عن الأردن كوجهة سياحية. كان من الممكن استثمار آليات الترويج الرقمي الحديثة—من تحسين محركات البحث (SEO) إلى الإعلانات الموجّهة جغرافياً—لضمان تصدّر اسم الأردن في نتائج البحث خلال أسابيع البطولة، وهو إجراء متعارف عليه عالمياً تلجأ إليه الوجهات السياحية الذكية عند كل حدث عالمي كبير. لكن يبدو أن آليات العمل في مؤسساتنا السياحية لا تزال غائبة عن هذا التطور.
وأمام هذا العجز، لا بد من طرح تساؤلٍ مشروع عن مصير الـ 12.5 مليون دولار التي حصل عليها المنتخب الوطني مقابل المشاركة. فهذا المبلغ كان استحقاقاً وطنياً كفيلاً بتعزيز التنافسية السياحية لو أُدير برؤية تحديثية تتجاوز الأساليب التقليدية: حملة رقمية مركّزة على أسواق أمريكا الشمالية، شراكات مع منصات الحجز والسفر العالمية، أو حتى تفعيل حقيقي لسفاراتنا وملحقياتنا الثقافية هناك لاستثمار زخم الحدث لحظة بلحظة. غياب رؤية واضحة لتوظيف هذا المبلغ يطرح سؤالاً أكبر عن غياب التخطيط المسبق أصلاً.
ووسط كل هذا، ودّع “النشامى” البطولة، لكنهم ودّعوها بأعلى ذروة ممكنة: مواجهة الأرجنتين، بطلة العالم، وفي صفوفها ليونيل ميسي، الشخصية الرياضية الأكثر شهرة في العالم بعد كريستيانو رونالدو. هذه لم تكن مجرد مباراة إقصاء عادية، بل كانت أضخم منصة تسويقية يمكن أن يحلم بها أي بلد يريد الترويج لنفسه؛ فعيون الملايين حول العالم، من أمريكا اللاتينية إلى آسيا، كانت مسلطة على تلك المباراة تحديداً، بغض النظر عن نتيجتها.
هذه اللحظة بالذات كانت تستحق تحركاً استثنائياً: من “الهاشتاغات” الموجهة، إلى الإعلانات المصاحبة للبث المباشر في الدول التي يُتابع فيها ميسي بشغف (الأرجنتين ودول أمريكا اللاتينية تحديداً)، وصولاً إلى محتوى رقمي جاهز يُطلق في لحظة صافرة البداية يقرن اسم “الأردن” و”Jordan” بجمهور المباراة الأكبر عالمياً في تلك الليلة. فحين يبحث الملايين عن “Jordan vs Argentina”، كانت هذه فرصة لا تتكرر لتظهر معها نتائج تحمل صور البتراء ووادي رم بدلاً من أن تضيع في زحمة نتائج المباراة نفسها.
لكن يبدو أن هذه اللحظة، كسابقاتها، مرّت دون استثمار حقيقي. خسرنا في الملعب أمام بطل العالم، وهذا وارد ومتوقع رياضياً، لكن الخسارة الأكبر كانت في عدم تحويل تلك الهزيمة الرياضية إلى انتصار ترويجي؛ فالتاريخ سيتذكر أن الأردن واجه ميسي، لكن العالم لن يتذكر أن الأردن استغل تلك المواجهة ليقول للعالم من نحن وماذا نملك.
إن نجاح “النشامى” في الملعب كان إنجازاً رياضياً كبيراً، لكن استثمار هذا الإنجاز سياحياً يتطلب ما هو أكثر من “الترند” أو الحملات الموسمية. نحن بحاجة إلى استراتيجية وطنية رقمية واضحة، وإلى مرونة إدارية تسمح لنا باقتناص الفرص قبل أن تنتهي صافرة النهاية، ليكون هدفنا دائماً أن نكون أكثر جاهزية، وأكثر قدرة على تحويل الإنجاز الرياضي إلى عوائد اقتصادية ملموسة تخدم قطاع السياحة الوطني وتليق بحجم إرثنا التاريخي الذي لا يُقدر بثمن.


حمودة مكاوي

يمثل هذا المقال آراء الكاتب ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة شيزوميديا

مقالات ذات صلة

arArabic